.ملاحظات على إغتيال الحريري

.بقلم: طارق حجِّي


علمتُ بجريمةِ إغتيالِ رفيق الحريري الكارثية بعد دقائقٍٍ من وقوعِها وذلك من شبكةِ الكمبيوتر المفتوحة بمكتبي على الدوام على الموقع الإلكتروني للإذاعة البريطانية. ولم تكن دهشتي كبيرةً – فقد كنت أتوقع مقتل الحريري، ليس من باب العقاب على موقف سابق (مثل معارضته للتمديد لرئيس الجمهورية بعد إنتهاء مدته الرئاسية)... وإنما من بابِ إجهاض أمرٍ كان سيحدث وظن النظامُ القائم اليوم في لبنان (وكذلك مؤيدوه) أنه ليس بوسعهم تحمل حدوثه، وأعني بالتحديد الإنتخابات البرلمانية اللبنانية القادمة والتي كان الحريري سيكون الفائزَ الأكبر فيها. وأغلب الظن أن النظامَ القائم اليوم في لبنان (السلطة) ومناصروه إنتبهوا لعدم قدرتهم أن يتعايشوا مع هذا الوضع: سوريا ورئيس الجمهورية في جانب ورئيس الحكومة والأغلبية البرلمانية والشعبية في جانب آخر مضاد ومناقض (ومناطح).

سمعتُ بنبأ إغتيال الحريري، فقلت لنفسي: "عجل قاتلوه بالنهاية الحتمية" الصيغة السائدة اليوم في لبنان ضد كل عناصر وحقائق العصر الحالي.

أما ما أدهشني فهو جنازة الحريري والملايين التي شاركت في الجنازة وتقديم العزاء في ظل إلتزام رائع بالنظام وإحترام الموقف. أدهشني تأييد أغلبية اللبنانيين للحريري والمعارضة التي كان هو كبيرها. أدهشني أن الحريري كان قادراً (وهو مقتول) أن يوحد مئات الألوف من اللبنانيين المسلمين والمسيحيين والدروز حول مطالب المعارضة (التي كان الحريري كبيرها) وفي طليعتها إنهاء الوجود العسكري والسياسي والمخابراتي لأية دولة أجنبية في لبنان وعدم شرعيته تمديد فترة رئاسة الرئيس إميل لحود.

ولم يدهشني أن لبنانيين آخرين (وهم بلا شك أقلية) تميل عقولهم وقلوبهم تجاه طهران أو دمشق أو فلسطين قبل أن تميل إلى لبنان وشأنها وأمرها وأحوالها. فأنا أعرف أن أكبر داء ضرب سوسه جذوع المجتمعات العربية هو غسيل المخ الذي صار بموجبه أبناء كل مجتمع من هذه المجتمعات يهتمون بشئون غيرهم أكثر من إهتمامهم بشئون وطنهم الأم.

وأعتقد أن إغتيال الحريري قد دفع "الحالة اللبنانية" إلى "الفصل الأخير": فلبنان الذي كان (ولا يزال) أكثر بلدان المنطقة حرية وتقدماً وتحضراً (ناهيك عن رقيه بالنسبة لمن حوله في كل المجالات) لا يليق به ولا بالمنطقة بأسرها أن يكون محتلاً... ولا يليق به أن يرفع صور رؤساء دول أخرى وكأنهم سادة لبنان... ولا يليق بالبلد العظيم الذي أنجب آيات العبقرية والتقدم والتحضر التي لا مثيل لها في المنطقة أن ترفع فيها صور حكام ثيوقراطيين ينتمون وتنتمي أفكارهم لما قبل العصور الوسطى (ليتخيل القارئ العصري المتحضر الأثر الهدام لصورة الخميني في ساحة واسعة من ساحات بيروت... كيف تُرفع صورة الخميني في بلد فيروز؟!).

إن خروج التواجد السوري (بكل صوره وأشكاله) من لبنان سيحدث بلا أدنى ذرة شك وخلال فترة وجيزة. كذلك ليس لدي أي شك أن توحيد السلاح تحت يد واحد (هي يد السلطة الشرعية) أمر سيحدث في لبنان خلال فترة وجيزة. ولا شك أيضاً عندي، أن "الحالة الديموقراطية في لبنان" والتي أصيبت بنكسات عديدة منذ إنتهاء الحرب الأهلية سوف تتعافى خلال فترة وجيزة.. ولكن هل يتم هذا بأكبر قدر من التعقل والسلام الإجتماعي أم بفرم آلة التغيير الحتمي للكثير من اللحم السوري واللبناني وإراقتها للدم من الطرفين أنهاراً قبل وصول الحالة اللبنانية لما هي واصلة له حتماً وفي المستقبل القريب؟.. إن المعارضة اللبنانية اليوم تمثل رقياً نادراً في منطقتنا. فبينما تطالب بخروج القوات المسلحة ورجال مخابرات أية دولة أجنبية، فإنها (وهي تضم المسلم مع المسيحي مع الدرزي) تفعل ذلك بوسطية وعقلانية وبلغة خطاب أرقى من لغة خطاب المعارضة في معظم دول المنطقة. وفي المقابل، فإن رجال السلطة في لبنان يقدمون منطقاً هزلياً ويستعمون لغة خطاب من زمن ولى وإنتهى (وإنهزم). ويكفي أنهم يرجحون أن الفاعل هو من يملك أدوات إرتكاب هذا الجرم، وليس المستفيد من غياب الحريري – الزعم بأن أمريكا وإسرائيل هي مرتكب هذا الجرم. فمرتكب الجرم هو من كان لا يعرف ماذا سيفعل عندما يكتسح الحريري الإنتخابات القادمة ويصبح رئيساً للوزراء وتكون له الأغلبية في مجلس النواب ويملك – عندئذ – إصدار قرار من ممثلي الأغلبية بحتمية خروج سوريا من لبنان.