أحمـد زويل .. ودرس في العظمـة .

منذ قرابةِ العام قام العالمُ العبقري أحمد زويل بزيارةٍ لمصرَ شهدت تيارين من الشعورِ وردِ الفعلِ تجاهه . فعددٌ كبيرٌ إحتفى به وكَّرمه وشعر بالفخر لكون أحد المصريين قد أنجز ما أنجزه الدكتور زويل وكان (قبيل حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء لسنة 1999) قد حصل على حشدٍ من الجوائزِ العالميةِ ذات القيمةِ التي لا تُجحد . ولكن إلى جوارِ أولئك الذين إحتفوا به وكّرموه وشعروا أنه شئٌ رائعٌ ، فقد وُجد آخرون إشتعل في صدورهم ذلك المرضُ الذي أنتشر في مصرَ خلال السنواتِ الأربعين الأخيرة وهو الحقد على النابغين وإنكار تمّيز المتميزين وإلقاءِ حجارةِ النكرانِ عليهم والتشكيك في عظمتهم ونبوغهم وتميزهم ونجاحهم . وكان أشهر هؤلاء كاتب صاحب عمود يومي في أحد الصحف القاهرية شبّه أحمد زويل برجلٍ جاء إلى مجموعةٍ من البسطاءِ وخدعهم وجمع (حسب كلماته) "النقوط" منهم ثم مضى . ورغم أن الذين ينتمون للمجموعةِ الثانيةِ (مجموعة إلقاء الحجارة على المتميزين وهم أنفسهم من أكبر مادحي المسئولين) لاشك يشعرون اليوم (وبعد حصول العالم العبقري أحمد زويل) على جائزةِ نوبل في الكيمياء (وليس في الكلام) لاشك أنهم يشعرون بأنهم مغمورون بطبقاتٍ كثيفة من طين الخزى والعار وأن ما كان يعتمل في صدورهم من براكينِ الحقدِ على المتميزين قد أصبح مكشوفاً أمام الناس عارياً أمام عيونِ الكافةِ .

ولاشك أن المجموعة الأولى ، هي التي تمثل الطبيعةَ السوية كما أنها تمثل طبيعتنا التي عُرفت عنا لسنواتٍ طوال قبل أن تعتريها المتغيراتُ التي إعترتها خلال العقود الأخيرة فغّيرت من نفوسِ الكثيرين وجعلتهم لا يطيقون تمّيزَ المتميزين ونبوغَ النابغين .

وجوهرُ الأمر في إعتقادي ، أن الناسَ عندما يكونون على علمٍ بالجهدِ والتمييزِ والتفوقِ الحقيقي للنابغين وأصحاب المكاناتِ العاليةِ وكذلك البارزين في سائرِ المجالاتِ العامة والسياسيةِ والاقتصاديةِ والفكريةِ ، فإنهم يقبلون ثمارَ النجاحِ ويعطون الناجحين حقهم من التقديرِ والعرفانِ . ولكن إذا غامت الصورةُ ، ولم يعرف الناسُ لماذا أصبح البعضُ كباراً في سائر المجالات ، عندئذٍ تشيع بينهم روحُ الإنكارِ والشكِ في حقيقةِ النجاحِ وتشيع بينهم قصصٌ قد تكون حقيقيةً وقد تكون مُلفقةً عن أسبابٍ غير كريمةٍ لنجاحِ وشهرةِ وثروةِ وتألقِ البعض . حتى تأتي قصةُ نجاحٍ لا يمكن الشك فيها ، كقصةِ نجاحِ أحمد زويل ، فتجعل الأمورَ واضحةً ، والأكثرية تتبع المجموعة الأولى التي تسعد وتفخر بالنجاحِ كما تجعل المجموعة الثانية تتآكل وينزوي أفرادُها مختفين من هولِ فضيحةِ مشاعرهم .

وقد ذكّرتني قصةُ نجاحِ العالمِ العبقري أحمد زويل بما نشأتُ عليه من تقديسٍ لوجهة نظرٍ كان عبقـري الأدب العربي عباس العقاد يرددها كثيراً ، وهي أن الأممَ التي تسير على دربِ التقدمِ والازدهارِ والت أ لقِ هي الأمم التي تشيع بين أفرادِها روحُ الإعجابِ بالناجحِين وتقدير (وربما تقديس) العظمة الإنسانية في كل صورها وكافة أشكالها . وإن العكسَ صحيحٌ ، فالشعوبُ التي لا تحتفي بأبنائها المتميزين ولا تُقّدر العظمة الإنسانية (أياً كان شكلها أو مجالها) هي شعوبٌ في طريقِ الأفولِ .

وقد أذهلتني منذ أيامٍ ملاحظةً سمعتها من مستشرقٍ هولندي كان في زيارةٍ لمصرَ عندما قال لي : أليس من الغريب أن الميادين العامة في القاهرة وفي سائر المدن الأساسية في مصرَ لا تضم تماثيلاً لأسماءٍ مصريةٍ مثل محمد علي وإسماعيل وجمال عبد الناصر والسادات ومصطفى مشرفة وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وطه حسين وأحمد أمين والعقاد ويحيى حقي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم (وأضيف أنا "أحمد زويل") ؟؟ وشعرت بهولِ الملاحظةِ .. وتساءلت : أيصعب على وزارةِ الثقافة أن تتبنى مشروعاً لعمل ثلاثين أو أربعين أو خمسين تمثالاً لمجموعة من كبار أبناء هذا الوطن وتتعدد نسخهم بحيث تمتلئ بها ميادين القاهرة وعواصم المحافظات كشهادةٍ لنا جميعاً (أو لمعظمنا) بأننا من أفرادِ المجموعةِ الأولى التي تحتفي بالمتميزين من أبناءِ مصرَ وتكّرمهم وتشعر بالفخرِ لكونهم من أبناء نفس الوطن . وكلي يقين أن الحياة الفنية في مصرَ تذخر بمثّالين مبدعين يملكون القدرةَ الفنية الكاملة على إتحافِ الوطن بهذا العددِ من التماثيلِ لبعض أبناءهِ العظماء بما يدفع تهمةً يرددها البعضُ عنّا وهي أننا (أو أن بعضنا) أصبح لا يطيق نجاح الناجحين وتمّيز المتميزين وتألق النوابغ المبدعين ، كما أن مشروعاً كهذا سيكون مساهمةً فعّالةً في تربيةِ الأجيالِ الجديدةِ على حبِ وتقديرِ وتقديسِ العظمةِ الإنسانيةِ والتي هي محرَك قطار التقدم ، فبدون المتميزين وبسيادةِ العاديين يسير المجتمعُ في طريق لا نحبها لوطننا ولا نرضى أن تكون هي المكونة للمناخِ العام للأَجيال الجديدة .

إن فوزَ العالم العبقري أحمد زويل فرصةٌ طيبةٌ لأجهزةِ الثقافةِ في مصرَ لإحياءِ الشعورِ العامِ بحبِ وتقديرِ وإكبارِ وإجلالِ وتقديسِ العظمة بكل أشكالها وألوانها ، كما أنها فرصةٌ لمؤسسة التعليم للإهتمام بهذه القيمة العظيمة وإعطاءها ما تستحقه من ال إ هتمام في بعض برامج التعليم حيث نغرس في نفوس الأجيال الجديدة القدرة على قبولِ واحترامِ وتقديرِ التمّيز بعد أن عانينا طويلاً من التلاميذ الشياطين لمدرسةِ أعداءِ النجاحِ في واقعنا خلال عقود لا تقل عن أربعة نشر فيها هؤلاءُ التلاميذ النجباء (لروح مدرستهم) في جو حياتنا العامة سموماً عديدة تمثلت في مبادرةِ العديدين بإلقاء الطين على كل من يخالف أنماط العاديين من الناس دون أن ينتبهوا لأن مجتمعاً لا يضم الإَّ العاديين هو مجتمعٌ لا قدرة له على تحقيق أي غدٍ أَفضل .