اللغة .. مرآة العقول.

 

عندما كنتُ طالباً في المدرسة الثانويةِ طالعتُ عدداً من كتب الجاحظ والذي إفتنت به منذ تلك السن الصغيرة. قرأتُ في البداية (البيان والتبين) ثم (البخلاء) ثم (الحيوان) … ثم أبحرتُ في باقي مؤلفاتِ الجاحظِ الغزيرة. كانت مدارسُ مصرَ الثانوية (وقتئذ) تحتوي كلٌ منها على مكتبةٍ عامةٍ كبيرةٍ. وكانت مدرستي الثانوية تضم واحدة من أكبرِ تلك المكتباتِ. هناك سقطت عيناي (لأول مرة) على مجلداتٍ عتيقةٍ كُتبت عنوانيها على كعوبِها: الأمالي لأبي على القالي، الصناعتان، نهاية الأرب في فنون الأدب، الأغاني للأصفهاني، الأدب الكبير والأدب الصغير، حي بني يقظان، رسالة الغفران، الفصول والغايات، فصل المقال (لابن رشد) … مع فيض من دواوين الشعر وكتب التاريخ (التاريخ الكبير لابن كثير، تاريخ الطبري، وفيات الأعيان لإبن خلكان، صبح الأعشى في صناعة دواوين الإنشا، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، السلوك في آداب الملوك، بدائع الزهور ووقائع الدهور … إلخ. وكما ألقيتُ نفسي عندئذ (وخلال سنوات تالية) في أودية هذه الكتب فقد كنت (على التوازي) أُطالع بشغفٍ كتاباتِ العقاد والمازني وشكري عن إفتقادِ كثيرٍ من الأدبِ العربي للوحدةِ الموضوعية/العضوية. وكنت أسألُ يومها أسئلةً لا تجد إجابة: لماذا لم يفتعل الجاحظُ السجع في عناوين معظم كتبه كآخرين كثيرين؟ وقد أجبتُ بنفسي (بعد عشر سنوات) عن ذلك السؤال بكلماتٍ قليلةٍ: لأن الحاحظ كان من أدباء المعتزلة – أي يقدم العقل ويوليه الأولوية الكبرى – ومن يفعل ذلك لا يسقط "صريع عشق السجع" … إذ أن السجعَ كثيراً (وليس دائماً) ما يكون بمثابة تفضيل جرس الكلمات عن معاني العبارات.

 

واذكر وأنا طالب في السنة الثانوية النهائية (1966) أن أُمي كانت تُلقي القبض علىَّ متلبساً بكتابة عناوين (هزلية) لكتب لم ولن توجد قط:

"إقعاد المعاندين على الأوتاد، لعباس العقاد" … ، "الذل المهين … في طور سنين" … ، "ذروة التعاسة … فيما حصل يوم الانتكاسة" … ، أشمغة ، بدون أدمغة.

 

كنت أفعلُ ذلك عبثاً ولكن أيضاً بتأثير ذهنية الولع بجرس الكلمات والتي كثيراً ما لا تبالي بالمعاني.

 

وبعد رحلةٍ طويلةٍ مع المعرفةِ، صرت شديدَ الميل للإيمان بأن اللغةِ أسرت العقل العربي (عند كثيرين) أسراً لا أعرفُ مثيلاً له اليوم. فالعقل العربي مفتونٌ بجرس أكثر من معاني الكلمات. وهو يرى في جرسِ اللغةِ والسجعِ "شكلاً من أَشكالِ الفروسية" … وأحياناً يبلغ به هذا المرض أقصى مداه: فلا يُفرق بين القولِ والعملِ. يتحدث عربيٌّ مفتون بهذا الدبلوماسي العربي الذي يجسد ثقافة الكلام الكبير فيقول: "إنظر لما فعله السيد "فلان" في بغداد … ياله من شخصية كاريزمية هائلة" … ويكون ردي "تقصد ما قاله في بغداد "وليس "ما فعله" ! هنا، يصبح العقلُ العربي عاجزاً عن رؤية الفارق بين (الأقوال) و(الأفعال) . ولما كانت الأقوال سهلة، فقد أصبح في مُكنةِ البعض أن يكونوا من كبار الأبطال! وما هم إلا (بالعامية المصرية) من "فنجرية" (أي كرم) الفم واللسان.

 

اليوم، وبعد أربعين سنة من اللحظة التي أمسكت فيها لأول مرة بكتاب عنوانه مسجوع (نهاية الأرب في فنون الأدب) للنويهي، فإن هذا السجع يضحكني لسذاجته … ويؤلمني لدلالته.

 

كتبتُ هذا المقال بعد أن مررت (بمكتبتي) بجوار مئات المجلدات العربية القديمة التي تحمل كعوبُها عناويناً مسجوعة بتكلف واضح. ووسطها وجدت مجلدات تضم كتباً للجاحظ (المعتزل العقلاني) لا يكاد يوجد بينها عنوانٌ مسجوع واحد .. مثل "رسالة الأضداد" أو "التربيع والتدوير" .. إلخ.

 

أن بذرةَ علاج ذلك، بيد الذين يُناط بهم وضع النصوص ليطالعها تلاميذنا عندما يبدأون رحلة التعامل مع النصوص. وإذا كان نابليون قد قال (بحق) أن "الحرب" أمرٌ أكبر بكثيرٍ من أن يترك للجنرالات، أن النصوصَ والمقرراتِ والبرامج التعليمية أمرٌ أكبر بكثيرٍ من أن نتركها للمدرسيين وكبار شخصيات وزارات التعليم … وإلا فسنبقى عقوداً أخرى ننفخ في غدد السجع ونقلص من غدد التفكير.

 

* العقاد شاعراً:

 

كتب الناقدُ الكبيرُ رجاء النقاش عن العقادِ الشاعرِ فالتحق بالأغلبية التي لا تكبر شعرَ العقاد. ويعلم الأستاذ رجاء النقاش من لقاءاتٍ عديدة طويلة بيننا أنني أحفظُ معظم شعر العقاد. ووجهة نظري في شعر العقاد (بين بين): فأنا أرى كثيراً من الصواب فيما يتجه إليه كثيرون: فدرجة اليقظة التي كان يكتب العقاد بها شعره تجعل الكثير من قصائده نوعاً من هندسة الكلمات والمباني يغلبُ عليها في الروح "النظر العقلي" وفي الشكل "الصنع الجيد أحياناً وغير الجيد في بعض الأحايين". ولكن إطلاق الأحكام هكذا سمة من سمات العقل العربي الذي يجمع المفكرون العالميون اليوم على كونه أكثر العقول إبتعاداً عن العصر ومناهج الحوار الحديثة وطرائق التقييم في زمن التحضر والتمدن والتقدم. أكتبُ هذه الكلمات وبيدي قصيدة العقاد (ترجمة شيطان) وهي قصيدة مطولة كتبها العقاد سنة 1916 (أي وهو في السابعة والعشرين) وترجمها الدكتور زكي نجيب محمود ترجمة إنجليزية رائعة أحفظها عن ظهر قلب. وفي إعتقادي ، أن (ترجمة شيطان) بالإنجليزية لا تقل في عبقريتها عن أعمال لميلتون وتي إس إيليوت. ولكنني أعرف أن النص الإنجليزي للقصيدة فوق إمكانات عدد غير قليل من النقاد العرب المعاصرين ، أما النصُ العربي ففيه روح تمرد على الوجود (بل وأكثر من لك كثيراً) وهو ما يجعل رجلاً إشتهر بتجنب المشكلات مثل الأستاذ رجاء النقاش لا يتطرق لقصيدة العقاد (ترجمة شيطان). فهل من الموضوعية أن نخاف رد فعل الدهماء ، فلا نتكلم عن عمل أدبي فذ سمعتُ عنه من أساتذة أدب بريطانيين كثيرين ومن الدكتور زكي نجيب محمود ما لا يجعلني بحاجةٍ لأن أسمع وجهة نظر أي ناقد محلي – أياً كان وكانت منزلته ، فأنا مثل الدكتور حسين فوزي إعترافاتي بالنجاحات المحلية محدودة للغاية.

* كتابٌ فذ عن سيد قطب:

 

خلال السنوات الأربعين الأخيرة ، طالعتُ كل ما كتبه سيد قطب وأضعاف من عددها مما كتبه آخرون عن فكره في الدين والسياسة والحياة. ومعظم ما طالعته عن سيد قطب كان بغير العربية. وكنتُ أظن أنه لم يعد هناك مجال لكتابٍ (مفاجأة) عن سيد قطب. ولكن الأستاذ حلمي النمنم خالف ظني ، فأصدر كتاباً صغيراً في حجمه كبيراً للغاية في قيمته. كنتُ أعلم الكثير عن غلبة الإنفعال الوجداني على سيد قطب الناقد الأدبي والشاعر. وكنتُ أعلمُ أيضاً إن معاصريه إبان فترة إنتشاره كناقدٍ أدبي وشاعرٍ كانوا يرونه متوسط القامة (وأحياناً دون ذلك) كأديبٍ وناقدٍ وشاعرٍ. وسمعتُ بأذني الأستاذ العقاد يقول عنه ذلك في ندوةٍ ببيت العقاد حضرتُها سنة 1964 عندما سأله أحد الحاضرين قائلاً: "إن سيد قطب من أكثر المعجبين بك يا أستاذ ودفاعاً عنك ويضعك في منزلة تقرب من السماء وحارب من أجلك معركةً ضروس مع أنصار خصمك الكبير مصطفى صادق الرافعي .. فلماذا لم يحظ بكلمة ثناء واحدة منك؟" .. فرد العقاد: "وهل الثناء على الشعراء والأدباء يكون لأنهم أصدقاء مخلصون أم أدباء مجيدون؟" .. ثم أردف العقاد قائلاً: "إن سيد قطب مقلد .. وهو فوق ذلك مقلد غير جيد .. وتابع .. ناهيك عن ضعف شديد فيه هو عجزه عن القراءة إلاِّ بالعربية" – (إنتهت كلمات العقاد). وكنتُ أيضاً أعلم الكثير عن السنتين اللتين قضاهما سيد قطب في الولايات المتحدة الأمريكية (1948-1950) وطالعتُ النظريات المختلفة التي قيلت في تفسير هذه الفترة .. وقد إستخلصت لنفسي رأياً فحواه أن هذه الرحلة رسخَّت في أعماق سيد قطب إستحالة قبول الغرب. والتفسير- عندي – لأنه لم يكن يملك أدوات التواصل مع الغرب ، فهو بنفسه الذي إعترف أنه قضى أربعة وعشرين شهراً في الولايات المتحدة الأمريكية منها ثلاثة عشر شهراً في مدرسة للغة الإنجليزية التي لم يتقنها أبداً. فبينما تفاعل طه حسين وتوفيق الحكيم وحسين فوزي ومندور مع فرنسا من اليوم الأول وكذلك فعل لويس عوض مع إنجلترا من اليوم الأول بسبب إمتلاكهم لأدوات التواصل ، فإن سيد قطب أمضى ثلاثة عشر شهراً يدرس اللغة الإنجليزية – وما أتقنها. عاش سنتين في الولايات المتحدة الأمريكية ، عاد بعدهما يحمل مشاعر إبن تيمية تجاه الآخر غير المسلم. كذلك كنت أعلم الكثير عن السنوات التي تلت عودته من الولايات المتحدة (1950) وحتى موته على المشنقة (1965). ولكن علاقة سيد قطب الإنتهازية من إنقلاب يوليه 1952 والنصوص التي كتبها في مناصرة هذا الإنقلاب وحض قادته على نسف مؤسسات الماضي وتملقه لقادة الإنقلاب لم تكن مما أحطتُ به من قبل – لذلك فأنا مدين للأستاذ حلمي النمنم بالكثير الذي تعلمته من كتابه.

لقد قدم لنا حلمي النمنم عملاً رائعاً سلط الضوء على فترة يجب أن يعرفها الكل. كما أظهر للقراء (بإثباتات قاطعة) أن بطولات لم تحدث نُسبت لسيد قطب وأن أقوالاً تنضحُ بالبطولةِ نُسبت له قبل الإعدام وهو الذي لم يكتبها أو يقول حرفاً منها. إن حلمي النمنم الذي لم أره في حياتي ولم أحدثه قط ، قد كتب كتاباً ينبغي على كل مشتغل بالحياة العامة في مصر أن يطالعه ليعرف كيف تُحول الأوهام إلى حقائق أو أشباه حقائق وكيف يُصنع وهم بطولات نصيبها في الواقع والحقيقة "صفر".

 

إنني أدعو القراء لمطالعة ما خطه قلم محمد فريد أبو حديد في نقد سيد قطب ليعرفوا الفارق بين المفكر والمتذمر – وقد يكون المتذمر مفكراً (في أقل الأحايين) وقد يكون غير ذلك (في معظم الأحوال). إن كتاب حلمي النمنم (سيد قطب وثورة يوليو) هو من أهم الكتب التي صدرت حديثاً والجديرة بأن يطالعها الملايين وليس الألوف.

 

* موسوعة رائعة:

منذ سنوات طالعت موْسوعة وضعها أستاذ مصري عن اليهود واليهودية. وقد وجدتها (سواء في طبعتها الموسعة أو في طبعتها الموجزة في مجلدين) كثيرة المخالفة لقواعد البحث العلمي وذات إرتباكات منهجية لا تحصى وذات "هوس وجداني" … وإذا قارنت هذه الموسوعة (مثلاً) بكتابات زالمان شازار عن "نقد العهد القديم" أو "نقد الكتاب المقدس" التي نشرت في ألمانيا منذ ثمانين سنة-فإن كتابات زالمان شازار أرقى بكثير من ناحية المنهج والتجرد عن الهوى الظاهر في الموسوعة التي أَشرت إليها آنفاً. وقد طالعت عشرات الكتب عن العبرانيين وتاريخهم والكتاب المقدس وركزت كثيراً على الدراسات التي وضعت عن المصدر الإلوهيمي والمصدر اليهوُوُي لأسفار ما يعرف بالعهد القديم. وجل ما طالعته ونال تقديري كان من أعمال دارسين أوروبيين بإستثناء الدراسات المتعلقة بلفائف البحر الميت (وما كتب عنها بالعربية كان ولا يزال متسماً بسطحية واضحة وكثير من السذاجة) فمعظم هذه الدراسات كانت لأساتذة أمريكيين. وقد إمتدت إهتماماتي لتغطي تاريخ اليهود خلال القرون الثلاثة الأخيرة وبالذات تاريخهم منذ حادثة دريفوس وصدور كتاب هيرتزل (1896) ومؤتمر بازل (1897) ثم تفاصيل ما جرى خلال السنوات الخمسين من 1897 إلى 1947 (تاريخ صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين). كذلك كانت الدراسات التي تتناول إسرائيل منذ 1948 بشتى جوانبها فكانت محل ولعي منذ سنة 1966 والفضل يعود للأستاذ أحمد بهاء الدين ولكتابه (إسرائيليات)-فرغم بساطته فقد شحذ في نفسي الرغبة في أن أعرف (أقصى ما يمكن) عن إسرائيل من سائر الجوانب بما في ذلك الجوانب الأدبية منذ عرفت في سنة 1966 أن جائزة نوبل للآداب (في تلك السنة) ذهبت للشاعر الإسرائيلي "عجنون". وأنا أميل للمطالعة في هذه المجالات بالإنجليزية لكوني إنساناً لا يطيق مزج "الهوى" و"العواطف" بالعلم والدراسة والفكر-وهو ما يحدث في جل الكتابات العربية عن اليهود واليهودية وإسرائيل-حتى عندما يجيء من أساتذة متخصصين-فإن حيادهم العلمي يكون غائباً أو شبه غائب.

ومنذ أيام طالعت (بشغف لم اشعر بمثله منذ شهور) العمل الممتاز للدكتور رشاد الشامي والذي صدر في 368 صفحة بعنوان (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) وهو عمل رائع يضاهي (في كونه عملاً أكاديمياً رصيناً) أي عمل عالمي من كبريات الأعمال في هذا المجال. إن هذا العمل الفذ يطابق كبريات الأعمال العالمية لأساتذة أكاديميين لا يتسلل الهوى لما يكتبون. وأعتقد أننا بحاجة لعشرات الأعمال من تلك النوعية العميقة والمكتوبة بمنهج علمي رصين. نحن بحاجة لذلك إذا كنا نريد أن نتعامل مع إسرائيل بشكل يناسب العصر ويرقى لمستوى التحدي. فإن جل ما يكتب في صحفنا وكتبنا عن هذا الأمر هو "سطحي" و"أرعن" و"مفعم بالعاطفة الهوجاء" و"لا جدوى منه" ومن أقوى آثاره خسراننا للتعاطف الدولي ناهيك عن كونه – ببساطة ووضوح-لا يُفيد إلا إسرائيل. إنني أدعو هواة القراءة الجادة في مصر لمطالعة كتاب الدكتور رشاد الشامي ولا أظن إلاَّ أنهم سيوافقونني بعد ذلك أننا في أمس الحاجة لمائة كتاب من هذه النوعية عن الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في إسرائيل … عن أحزابها … وهيئاتها السياسية … وصحفها … وجامعاتها … وأدبها … وإنتشار أبناءها في كبريات جامعات العالم وابرز مراكز البحوث على وجه الأرض. نحن بحاجة لذلك أكثر من حاجتنا لإستمرارنا في التصايح بشكل جعلنا نخسر معظم العالم: نخسر إستماعه لنا ناهيك عن تعاطفه أو مساندته أو حتى إحترامه لهذا التصايح.

إنني أؤمن أننا (ثقافياً) مصابون بدائين وبيلين: إننا خارج الزمن … وإننا خارج حقائق العصر … ولا أظن أنه بوسع شيء أن يساعدنا على البرء من هذين السقمين مثل أعمال جادة ورصينة ككتاب (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) للدكتور رشاد الشامي الذي طالعت كتابه مرتين في أسبوع واحد من فرط تقديري لكافة جوانب تميزه وثراءه.

إن أكبر دليل على صواب زعمي أننا في أمور عديدة بوجه عام وفيما يتعلق بالتحدي الإسرائيلي بوجه خاص "خارج الحقيقة" و"خارج الزمن" هو تماثل آراء كتّابٌ كبار وصحفيين بارزين مع آراء أنصاف المتعلمين وأصحاب الحظ الضعيف من المعرفة والثقافة. ومرجع ذلك لأكثر من سبب من بينها خلو حياتنا الفكرية من أعمال عديدة مثل "موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية" ناهيك عن إتسام السواد الأعظم من أبناء وبنات مجتمعنا بعقول ومعرفة محلية في مجملها لأسباب منها فقر المحتوى التعليمي وخوفنا الأسطوري من الآخرين وخرافة غزوهم الثقافي لنا وعدم إمتلاك معظمنا لأدوات تحصيل المعرفة العصرية. التي عندما أستمع لتحليلات من يوصفون بالخبراء الإستراتيجيين أشعر بقلقٍٍ عميق على مستقبلنا: إنهم بسطاء التفكير … بسطاء المحصول المعرفي بشكل يثير الذهول. وعلى كلٍ: فإن ضبابية الصورة المعرفية في حياتنا غير مطلقة-وإلا ما كان لكتاب مثل (موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية) للدكتور رشاد الشامي أن يصدر.

وتقتضي الأمانة الفكرية أن أسلط الضوء على حقيقة أن معظم حملة الأقلام في واقعنا توجد بينهم وبين تيارات العالم المعاصر جدران سميكة عالية سببها الأول هو عدم تمكنهم من اللغات الأجنبية … وهي كارثة: لقد كان جيل طه حسين والعقاد والمازني وشكري ومحمد حسنين هيكل وسلامة موسى ومحمد عوض محمد ومندور يجيد لغة أجنبية واحدة على الأقل إجادة تامة. أما اليوم، فإن أبرز الأسماء في عالم الكتابة تحتاج لمن يترجم لهم جل ما يطالعونه من أعمال بغير العربية-وهي كارثة ثقافية لأن معظم ما ينبغي قراءته عن العالم اليوم وتياراته غير متوفر بالعربية-ناهيك عن أن عدم إتقان لغة أجنبية يعني أشياءً أخرى لا تخفى عن فطنة أحد.