عن "الهـويـة" أتحدث.

يشعر العقلُ المصري (ومثله في ذلك عقول المجتمعاتِ الناطقةِ بالعربيةِ بدرجاتٍ متفاوتة) بحيرةٍ أمام السؤال الكبير (من نحن؟) … أي التساؤل عن الهويةِ. وفي إعتقادي أن الإجابةَ سهلةٌ للغايةِ إذا تحرر الإنسانُ من ربقةِ موروث يحول بين الإنسان وبين الإيمان بأن الإنتماءَ لأكثرِ من هويةٍ هو أمرٌ ممكن. إن العقلَ العربي بمعناه الضيق أي عقل شعوب الجزيرة العربية وبمعناه الواسع أي عقل الشعوب الناطقة بالعربية قد تأثر تأثيراً قوياً بعارضٍ أساسيٍّ من عوارضِ القبلية العربية (ذهنية قبيلة البداوة) وهو إستحالة أن يكون الإنتماءُ والولاءُ إلاَّ للقبيلةِ وشيخِها. ففي ظل سوسيولوجيا القبيلة البدوية يكون من العبثِ (من وجهة النظر القبلية) أن يقول قائلٌ أنني أنتمي لهذه القبيلةِ "و" لقبيلةٍ أُخرى غيرها. وقد طال هذا العارضُ شعوباً كانت ذات ماضٍ حضريٍ بالغ الثراء وبعيد للغايةِ عن تركيبةِ سوسيولوجيا البداوةِ في الجزيرة العربية مثل مصر وسوريا الكبرى وتونس والمغرب. إلاَّ أن تأثرَ تلك المجتمعات ذات الجذور الأعمق في التمدنِ والتحضرِ كان ولا يزال أقلَ من حدةِ الشعور القبلي العربي بإستحالةِ ثنائيةِ أو ثلاثيةِ الإنتماءِ.

 

منذ قرنٍ من الزمان كانت تلك العدوى الآتية من سوسيولوجيا الجزيرة العربية أقلَ بكثيرٍ مما هي عليه الآن – وعلة استفحال العدوى ترجع (من وجهة نظري) لسطوة البترودولار الذي عربد في المناخاتِ الثقافيةِ للمجتمعاتِ الناطقة بالعربية خلال العقود الأربعة.

 

في إعتقادي أن إنساناً مصرياً سليم العقل متحرر من جرثومة ذهنية القبيلة البدوية إذا سُئل ما هي هاويتك فإنه من المنطقي أن يجيب: أنا مصريٌ أنتمي ثقافياً للثقافة العربية كما أنتمي ثقافياً للثقافةِ الإسلاميةِ سواء كنت مُسلماً أو مسيحياً ، كما أنني أنتمي لتاريخٍ طويلٍ فرعوني وقبطي ومسلم وعربي ومصري معاصر. إن هذا التعدد أمرٌ منطقي وبديهي لأنه يعكس حقائق الجغرافيا والتاريخ. ولكن المأساة تبدأ عندما يوضع ترتيب لهذه الأبعاد يخالف حقائق الجغرافيا والتاريخ. فرغم إن كاتبَ هذه السطورِ مصريٌّ- عربي وعالمي الثقافة- مسلم ، إلاَّ أنه إذا سُئل من هو وكان المطلوب أن يجيب بكلمةٍ واحدةٍ ، فسيقول إنه مصريٌّ. والمنطقي أن يفعل القبطي نفس الشيء. أما إذا أعطيت إجابة بكلمةٍ واحدةٍ وقلت "إنني مسلم" أو "إنني عربي" أو "إنني أفريقي" أو أنني من شرق البحر الأبيض المتوسط" فإنني سأكون قد أَعطيتُ إجابة ، هي ليست في الحقيقة، بإجابةٍ وإنما كلام عام غير محدد ولا ينطبق على تعريف "التعريف" الذي قالت به العربُ منذ قرون (أي أن يكون جامعاً مانعاً).

 

وينطبق نفس الشيء على السوري-اللبناني-العراقي-المغربي-السوداني وسائر الشعوب الناطقة بالعربية.

 

ولكننا لن نحصل على إجاباتٍ صافيةٍ بتلك الكيفية إلاَّ إذا عملنا جاهدين على تخليص تفكيرنا من شوائبِ القبليةِ البدويةِ التي جاءت إلينا بفعلِ نفوذِ البترودولار مع رياح حقبة الثقافة النفطية.

 

منذ قرنٍ من الزمان قال أستاذُ الجيل أحمد لطفي السيد أن المصريَّ هو من لا يعرف لنفسه صفةً في كلمةٍ واحدةٍ سوى "أنه مصري". وهكذا فإن اللبناني هو من لا يعرف لنفسه صفة في كلمة واحدة سوى أنه لبناني … ويقال نفس الشيء على باقي الشعوب الناطقة بالعربية.

 

ومن الأمور التي تُثير خلافاً واسعاً حولها موضوع البعد العربي في هويتنا. وهو موضوع جدير بالإحترام؛ إلاَّ أن الطريقة التي يُناقش بها تستحق الرثاء. فمعظم الذين يتحدثون عن البعد العربي في هويتنا يدمجونه اليوم في البعدِ الإسلامي. وهو أمرٌ (كما أسلفت) يثير الرثاء (بسب عدم معرفة الكثيرين بتاريخ "الفكرة العربية"). لقد نشأت فكرةُ الهويةِ العربية منذ أكثر قليلاً من مائةِ سنةٍ على يد مثقفين مسيحيين من سوريا الكبرى. وكانت فكرةٌ بالغة الرقي (بالشكل الذي قُدمت به وقتها). لقد كان مسيحوا سوريا الكبرى يرفضون تأسيس الهوية على أساسِ الدين لأن ذلك في ظل الإمبراطورية العثمانية ما كان ليعني سوى أنهم مواطنون من الدرجةِ الثانيةِ. وكان البديلُ الذي قدموه أسمى وأرقى: لقد قاموا بتأسيس الهوية على أساس اللغةِ والثقافةِ. وهكذا يتساوى المتكلم بالعربية المسلم مع المتكلم بالعربية المسيحي. إن هذه الأطروحة الراقية كانت أطروحةً ثقافيةً أولاً وأخيراً. ولكن عسكر صغار أصحاب محصول ثقافي ومعرفي هزيل أرادوا إختزال التاريخ والقفز بالرابطةِ العربيةِ من رابطةٍ ثقافيةٍ إلى رابطةٍ سياسيةٍ دون توفر المعطيات؛ فأجهدوا الفكرة ودمروا أجزاءً كبيرة منها.ثم جاء طاعونُ ثقافة النفط فجعل الفكرة العربية تابعة للفكرة الإسلامية (وهي في أصلها مستقلة عن أي دين إستقلالاً كلياً) فإذا بنا لا نسمع اليوم إلاَّ تعبير (الأمة الإسلامية والعربية) … وهكذا أصبحت الفكرةُ العربية التي أنشأها روادها (المسيحيون) لتكون بديلاً عن الهوية المؤسسة على أرضية دينية- ذيلاً للفكرة الإسلامية. ولا يملك المرءُ العارف بتاريخ الفكرة العربية إلاَّ أن يقول (سُبحان مُغير الأحوال).

 

ومن الضروري أن ينظر القارئ المحايد لتجربة اليهود التاريخية حيث عاشوا في شتات منذ قام الرومان بهدم الهيكل في القدس وطرد اليهود منها سنة 70 بعد الميلاد – ورغم ذلك ظلوا من جهة "يهوداً" كما كانوا من جهات أُخرى منتمين لمجتمعات شتى. وهي تجربة تاريخية تُثبت أمرين هامين يصعب على العقل العربي قبولهما: أولاً أنه من الممكن تعدد أبعاد الهوية ثانياً أن الأختلاط الواسع بالأغيار (حسب التعبير العبراني) لا يؤدي قط لتآكل وإضمحلال وزوال الهوية والخصوصيات الثقافية كما يتوهم كثيرون في الواقع العربي متأثرين في ذلك (مرة أخرى) بنفوذ سوسيولوجيا القبيلة البدوية. هذا النفوذ الذي خلق عقلاً يقاوم (بشراسةٍ بالغة الغرابة) أقوى معلم من معالم التقدم الثقافي وهو الإيمان الراسخ بالتعددية بل وأحياناً بالوحدة في ظل التعددية.

 

إن فك الإشتباك بين رقائق هويتنا أمرٌ ممكن لو توفرت الرؤية (على مستوى قيادات المجتمع: سياسياً وثقافياً) ووضعت برامج التعليم على أَساسٍ من تلك الرؤية. ولا أعتقد أن ذلك أمر عسير – بشرط توفر إرادة إحداثه. يقول علي بن أبي طالب (رب همة أَحيت أمة) ..

موقع المؤلف على شبكة الإنترنت: http://www.heggy.org

البريد الإليكتروني: tarek@heggy.org