عن "كافور الأخشيدي" و"كروميل الأب والابن"..

مررتُ (مثل معظم أبناء جيلي) بحقبةٍ يساريةٍ وبحقبةٍ أخرى كمال أتاتوركية (كرمزٍ للإيمان بأن الخلاص لن يكون في مجتمعاتنا إلاِّ على يدِ مستبدٍ عادلٍ) .. ولكن كما قال ونستون تشرشل ، فإن هذه الأفكار يكون الإنسان (بلا قلب) إ ن لم يؤمن بها في مُستهل شبابه .. ويكون (بلا عقل) إن ظل مؤمناً بها طويلاً!! ولكنني منذ أكثر من ربع قرن وأنا أؤمن إيماناً راسخاً أن "العقل الإنساني" في مسيرةِ تطوره وإرتقاءه عبر القرون لم ينتجُ منتجاً أكثر رقياً وسمواً وفائدة وإنسانية من (الديم و قراطية). هذا منتج لا أقول أنه يفوق منتجات العلم والطب والهندسة والأدوية والجيولوجيا والفضاء وتكنولوجيا المعلومات ون ُ ظم الإدارة والتسويق الحديثة فحسب – بل أقول أنه هو "أب كل تلك الإنجازات". مع إيماني أن إختزال الديموقراطية في عملية الإقتراع هى مهزلة فكرية ، فالديموقراطية دستور مُناسب ومؤسسات ومناخ عام وآليات وتربية ثم إقتراع – أي إختيار ، وكُل إختيار بغير تلك المكونات الأُخرى إما أن يأتي بأدولف هتلر (كما حدث في ألمانيا سنة 1933) أو بعصابة مُسلحة تظل بعد الإنتخابات "حكومة وميليشيا" في آن واحد (كما في حالة حماس التي يتكلم الناس عن مجيئها للسلطة بشكل قانوني ويتناسون أنها لم تقلع بعد ذلك عن الإستمرار في كونها ميليشيا مُسلحة) . عندما أقرأ أن بريطانيا (في مواجهة الغول النازي) قد ذهبت إلى إبنها الفذ ونستون تشرشل في سنة 1940 تطلب منه أن يقودها في تلك المرحلة السوداء. فيقودها إلى ثلاثة إنتصارات: الأول: تجسد في حقيقة أن بريطانيا كانت هي الدولة الأوروبية الرئيسية الوحيدة التي لم يتمكن هتلر من احتلالها أو احتلال أجزاء منها. والثاني: أنه أدخل الولايات المتحدة الأمريكية (إلى جانب) في الحرب – ولولا ذلك ل إ حتلت جيوش هتلر سطح الأرض كله خارج أمريكا الشمالية. والثالث: أنه أت ى لبلاد ه بالنتيجة المرجوة أي النصر ودمار محور النازية والفاشية واليابان المتوحشة. كان ذلك في سنة 1945. وهي نفس السنة التي أسقطه البريطانيون في الإنتخابات العامة ، ففقد منصب رئيس الوزراء وخلفه كليمينت أتلي. كلما قرأتُ تفاصيل ذلك ، إهتزت روحي وعقلي فرحاً بأهم إنجاز للبشرية: "الديم و قراطية". ثم أتذكر أن في بعض بلدان العالم الثالث لا ينتصر الحاكم إلاِّ على خصوم من خشب – ومع ذلك يصبح "فيلد مارشال" وي ُ بجل وي ُ مجد ويبقى (كنصفِ إله) على سدةِ الحكم حتى يزوره ملكُ الموت.

 

عندما زار الفيلد مارشال مونتجموري مصر من ذ أربعين سنة قدموا له "عبد الحكيم عامر" وقد سبقت إ سمه رتبة (المشير) ونطقوها بالإنجليزية Field Marshal فما كان من بطل معركة العلمين ذائع الصيت المارشال مونتجموري أن سأل (ببراءة أو بدهاء – لا يهم): Field Marshal of what? .. أي مارشال معركة "ماذا"؟ .. فهذه الر ُ تبة يحصل عليها الجنرالات الذين ينتصرون في معارك تحمل الرتبة إ سمها .. وكان من الم ُ مكن للم ُ ترجم (لولا خشيته على حياته) لجاوبه قائلاً: Field Marshal of the Great Battle of Zamalek and Al Ahly . ولكنه كان زمناً لا يمزح فيه الناسُ ؛ وإن "مزحوا" "م ُ س ِ حوا"!

 

وفي الصيف الماضي ، وعلى مسافةِ خطواتٍ من بحرِ مدينة العلمين (غرب الإسكندرية) كتبتُ فصلين مطولين أولهما عن (كافور الأخشيدي) العبد القزم الخص ي الذي صار حاكمَ مصرَ ، وقال المتنبي عنه ما لم يقله أحدٌ في قامة المتنبي الشعرية (وثلة على الأكثرهم) في ملك من الملوك. وبوسع القارئ تخيل ما قاله أبو الطيب المتنبي عن كافور والذي أبسطه:

 

لا تشتري العبد إلاِّ والعصا معه

إن العبيدَ لانجاسٌ مناكيدْ.

 

ولم يترك المتنبي ملمحاً من ملامح كافور إلاِّ وجسدها في شعره. فأنا رأيت (بعد ألف عام) في شعر المتنبي شفتى وقدمى كافور .. ورأيتُ قامته القصيرة التي كانت تجعل المتنبي لا يعرف: أجالس كافور أم واقف! ..

 

كتبت هذا المقال من فرط كثرة "الكوافير" من حولي في واقعنا.

 

كذلك كتبت فصلاً مطولاً (كتيباً؟!) عن كروميل وابنه. فقد كان لبريطانيا رئيسين (لا ملكين) مرة واحدة في تاريخها الملكي الطويل. وأول الإثنين هو كروميل الأب. ثم إحتل ابنُه منصبه الفريد هذا في تاريخ بريطانيا من بعده. وخلاصةُ القصة أن الثائر الكبير في تاريخ بريطانيا أوليفر كروميل (الذي ولد في سنة 1599) قد هز حياتها السياسية هزاً عنيفاً (تضمن إعدام ملك بريطانيا يومئذٍ الملك تشارلز في يناير 1649). وقد حقق أوليفر كروميل لبريطانيا وهو حاكمها الفعلي de Facto نجاحات كبيرة في الخارج. أثناء حكمه الفعلي لبريطانيا عُرِضَ عليه في سنة 1657 عرشها. إلاِّ أن الثائر العتيد إنتهى للإقتناع بأن حماسَ أتباعِه له سوف يفتر إن وجدوه (مثل السواد الأعظم من الساسة) "طالب ملك" .. مما حدا به لرفض عرش بريطانيا ولقب الملك .. وفضل عليه (حتى وفاته سنة 1658 لقباً غير ملكي يشبه منصب رئيس الجمهورية) تحت مسمى Lord Protector of England .

 

في عام 1658 توفي أوليفر كروميل – فقفز على سدة ِ الحكم إ بنه ريتشارد كروميل وَوَرَّثَ نفسَه ذات لقب أبيه. وما أن تولى كروميل الإبن منصب أبيه حتى بدأت الخلافات الكبرى بين من حوله . فال إ بن كانت مسوغات بلوغه الحكم مجرد بنوته لأبٍ عظيم. تحالف كروميل ال إ بن مع أصحاب المصالح الكبرى ضد الإصلاحيين (الجمهوريين يومها). وقد قام الجمهوريون في 21 أبريل سنة 1659 (أي بعد عامٍ من وفاة أبيه) بمحاولةِ إقصاء كروميل ال إ بن عن الح ُ كم بإنقلاب عسكري كاد أن ينجح ، إلاِّ أن كروميل ال إ بن إ حتوى العاصفة الأولى التي ضربته وحل البرلمان. ولكن نصرَ ال إ بن كان نصراً مؤقتاً. إذ سرعان ما تجددت الصراعات وتمكن خصوم كروميل ال إ بن من إجباره على التنحي ومغادرة بريطانيا (إلى فرنسا أولاً ثم إلى سويسرا بعد ذلك). وبعد تج ا رب كروميل ال إ بن (الفاشلة) عادت بريطانيا للملكية التي تطورت وصارت ملكية دستورية – وسار تطورها بشكل رائع جنب بريطانيا وشعبها زلزالاً مهولاً كالثورة الفرنسية (بدأت في 14 يوليو 1789).

 

وسوف أنشر ما كتبته عن كافور (بمناسبة إنتشار الكوافير في عالمنا المعاصر) وكذلك ما كتبته عن كروميل (بمناسبة إنتشار الكرومويلات أيضاً في دنيانا الذاخرة بالأعاجيب) .. سأنشر هذين الفصلين هنا على صفحات "الراية" – ولكنني سأتروى قليلاً. فنحن اليوم (في المنطقة العربية) مثل قوم في إيوان (سرادق) عزاء .. ولا يليق بي أن أقف في السرادق وأمسك بمكبر صوت وألقى خطبة عصماء عن مثالب الفقيد ومصائب أُسرته ونكبات حاشيته – الوقت (إذن) يملي الأرجاء – أدباً لا خوفاً (فالثاني شعور سمعت عنه ولكنني لم أخبره).

 

حاشـية :

في جمهورية مهازلستان ، أعطى الأب الذي كان لايزال يتربع على سدة الحُكم لأكثر من ثلاثة عقود لصديقه "حسن غانم" موافقته على إنشاء مشروع ما في مدينة (فم الشيخة) الساحلي . بعد أيام كان إبن الحاكم بأمره مُتجهاً بالطائرة إلى المنتجع السياحي (فم الشيخة) وعند الهبوط رأى من الجو مشروعاً في طور التشييد . بعد الهبوط إستدعى رئيس المدينة وأمره أن يوقف العمل (بل وإزالة ما تم بناؤه) في هذا المشروع . صُعق رئيس المدينة وقال : (ولكن رئيس جمهوريتنا – والدك العظيم – أعطى موافقته على هذا المشروع) . لم يتردد (كمال) (الإبن) في القول : (قُلت لك يلغى!) . سمعت بهذه القصة ولم أتعجب : فهذا ما يقول لنا التاريخ أنه يحدث عندما يهرم الأسد !