كفاءة .. أم كاريزما؟

قطاعٌ كبيرٌ من الشعوبِ العربية (بفعلِ عواملٍ عديدةٍ من بينها غسيلُ المخ المتواصل من وسائل الإعلام المملوكة للحكومات) لا تزال تعجب بما يسمى "الكاريزما". وذلك عندي من دلالات المراهقة الفكرية. فالشعوب (مثل الأفراد) يمكن أن تكون في طورِ المراهقة. إن وظيفةَ الحكامِ هي "حسنُ إدارةِ المجتمعِ والمواردِ وتحسينِ جودةِ الحياةِ ووضعِ أسسِ مستقبلٍ أفضل". وتحقيق ذلك يحتاج لعلمٍ وخبرةٍ وحكمةٍ وواقعيةٍ ورؤيةٍ وقياداتٍ ذات قدرات على الأداء وتحقيق الأهداف. ولكنها لا تحقق (فقط) بالكاريزما.

 

الشعوبُ العربية تحتاج لكوادرٍ بشريةٍ قياديةٍ تعمل من أجل (مصالحها) لا من أجل عواطفها أو عقدها التاريخية أو غرائزها السياسية. كل الشعوب التي تقدمت عملت بناء على برامج تتوخى تحقيق مصالحها. وذلك أيضاً أمرٌ لا علاقة له بالكاريزما – بل وقد تكون الكاريزما مضادةً وعائقةً لهذه الأهداف.

 

في محاضرة لي بجامعة عربية وأمام أساتذة (لا طلاب) سألت الحضور: ما هو إسم رئيس سويسرا الحالي؟ .. فلما عجز كلٌ منهم عن معرفة إسمه ، قلت لهم: ولكن سويسرا تحقق أعلى المستويات في كافة المجالات .. بدون كاريزما .. بل وبدون شخص معروف لكم!!

 

وفي مصر أُعجب كثيرون بأحد الوزراء السابقين لأن له كاريزما !! رغم أن سجل عمله السابق (كوزير) والحالي (؟!!) يخلو من أي إنجازٍ إلاِّ الكلام الكبير وطريقة جلوسه المسرحية التي تتطلبها مسألة الكاريزما.

 

إن أصحاب الكاريزما يتحولون في النهاية لخدمةِ أنفسهم .. أو لخدمة "هذه الكاريزما اللعينة" .. وهم عادة ما يفعلون ذلك على حساب العمل الوحيد المنوط بهم أداؤه – وهو "مصلحة" (لا عواطف ولا غرائز) شعوبهم.

 

ليس مما يعيب الولايات المتحدة الأمريكية (أو إسرائيل) أنها تعمل لخدمةِ مصالحها. فهذا حقها بل واجبها. والمأساة أننا لا نفعل المثل – وإنما نخدم أغراضاً من صنف النوستالجيا (الحنين المتعاظم لأمجاد ماضوية لم يحدث أن وجد معظمها إلاِّ في خيال الأجيال) والعواطف والمشاعر القومية التي هي ألفاظ لا جسد لها. المأساة أن إهتمامات معظم الدول العربية هي بأمورٍ تخص طرف ثالث. وهو أمر بالغ الشذوذ. فمن الطبيعي أن تكون إهتمامات المصريين بأمور مصرية قبل إهتمامهم بأية أمور فلسطينية أو عراقية أو سورية. ومن الطبيعي أن تكون إهتمامات المسئولين القطريين بشئون قطرية ثم (بعد ذلك) بشئون إقليمية.

 

إن ديكتاتوريات الخمسينيات والستينيات التي لبست الثوب القومي هي التي خلقت تلك الظاهرة الشاذة: أن يهتم النظامُ في الدول العربية بشئون خارجية قبل إهتمامه بشئون مجتمعه الداخلية .. لماذا؟ لأن هذه هي الطريق إلى الزعامة والرئاسة لأكثر من مجرد الوطن! (فالوطن صغير في أعين معظم القادة القوميين وأقل من أحجامهم الفذة!!).

 

قال لي مسئول أمريكي كبير (ربما أحد أكبر ثلاثة مسئولين أمريكيين حاليين) في شهر يناير من هذا العام أن دولة عربية كبيرة كثيراً ما يأتي قادتها إلى العاصمة الأمريكية بقائمة أمور تتعلق كلها بأبناء العم وأبناء الخال وأبناء العمة وأبناء الخالة – دون أن يتعلق أي منها بالأبناء المباشرين!.

 

لقد آن الأوانُ أن تتجه الشعوبُ العربية صوب ما فعله اللبنانيون في ساحة الإستقلال في بيروت يوم 14 مارس (آذار) الماضي. عندما لم تكن هناك أيةُ شواغلٍ إلاِّ الشواغل اللبنانية. وكانت هذه من معالم وملامح نضج يجعلني أكثر تفاؤلاٍ بمستقبل لبنان واللبنانيين (هؤلاء الوجه المشرق لمنطقتنا).

 

والخلاصة: دعنا نشب عن الطوق ، ونغادر طور المراهقة التي تغمر العقلَ العربي ، وندرك أن (المصالح الذاتية لكل مجتمع) يجب أن تكون (وحدها) الشغل الشاغل لقادة هذا المجتمع .. وأن نعرف أن الكاريزما ليست من مؤهلات الحكم الرشيد! .. وإنما من مؤهلات العمل في السينما!.

وأخيراً ، أدعو القارئ العربي لأن يفكر ملياً فيما كلفته الكاريزما العربية (!!) للعرب: على مستوى المصالح السياسية .. وعلى مستوى المصالح الإقتصادية .. وعلى مستوى المصالح الإستراتيجية .. وعلى مستوى الكرامة (التي لا يتكلم أحد عنها كما يفعل الكاريزميون ، ولا يضيعها أحد مثلهم!).

 

يقول أبو الطيب المتنبي: "أَغاية الدين أن تحفوا شواربكم ، يا أمة ضحكت من جهلها الأمم" .. ويقول نزار قباني العظيم "خلاصة القضية توجز في عبارة/ لقد لبسنا قشرة الحضارة/ والروح جاهلية".