لأننا لا نعمل.

منذ نحو عشرين سنة نُشر لي مقال بعنوان "فن العمل الذي فقدناه" ولم يكن يدر بخلدي وقتئذ أني سأعود بإلحاح لنفس الموضوع بعد عقدين من الزمن. ولكن كل الدلائل والإشارات والعلامات من حولنا تقف شاهدة على كوننا لا نعمل بالكيفية والنوعية التي يجب أن تكون كحد أدنى لأمة تعاني من مشاكل جسيمة وتتوخى الخروج منها وتتطلع لغدٍ أكثر إزدهاراً وإستقراراً وإشراقاً.

 

إن الإحصائيات الدولية تكرر رقماً حول ألف دولار كمتوسط لدخول الفرد السنوي لدينا وهو رقم بالغ التواضع لا سيما إذا ما قورن بمثله في دولة مثل كوريا الجنوبية أو سنغافورة بل إنه يقف على مسافة قريبة من نظيره اليمني والصيني. والأسوأ من ذلك أن أكثر من نصف هذا الرقم يعود إلى مصادر لا علاقة لها بالعمل مثل الدخل المستمد من أنشطة صناعة البترول والسياحة وقناة السويس.

 

ولمزيد من تجسيد الصورة فإن متوسط دخل الفرد في دولة صغيرة مثل هولندا هو اليوم عشرون ألف دولار في السنة .. ولمزيد من تجسيد الصورة فإن تعداد هولندا (14 مليون مواطن) يقف إلى جواره تعداد آخر من الحيوانات (14 مليون بقرة و21 مليون خنزير) ومن المثير للسخرية أن دخل الأبقار والخنازير في هولندا (من السماد الذي تنتجه) عندما يوزع على السكان فإن نصيب الواحد منها (كدخل سنوي) يكون ألف دولار أمريكي في السنة (!!!) ولمزيد من التجسيد ، فإن دخل هولندا من الزهور فقط يعادل دخل مصر من البترول وقناة السويس.

 

ولكن المؤكد أن دعوة الناس إلى العمل عن طريق التصريحات والنداءات لا يمكن أن تكون مجدية. فمن جهة فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يعود إلى أساليب الإدارة الذائعة والشائعة في المجتمع ، إذْ أن أهم مهام المديرين هي خلق بيئة عمل تحفز العاملين على العمل والإنتاج وتفجر أفضل ما في الناس من قدرات على الخلق والإبداع والإنتاج ، ومعنى هذا الكلام أن "قوام المشكلة" قوام إداري في شق كبير منه. ولا شك أن مساهمة القطاع العام في هذه المشكلة كبيرة إذ أن كل الإحصائيات تؤكد أن إنتاجية الفرد الواحد في دوائر القطاع الخاص أعلى بكثير من إنتاجية الفرد في دوائر القطاع العام والتي كثيراُ ما تكون سلبية.

 

ولا شك أيضاً أن للحياة الإجتماعية دوراً وأثراً فعالاً في إنخفاض أو إرتفاع إنتاجية المواطنين ، وخلاصة القول هنا أن حياتنا الإجتماعية تتناقض تناقضاً صارخاً مع قيم ونظم العمل والإنتاج – فأين هو المجتمع المنتج الذي يتفشى فيه السهر كما يتفشى في مجتمعنا بل ويستفحل الداء عندنا لدى الطبقات الثرية الجديدة التي تواصل ضرب أسوأ الأمثلة الرديئة التي يضربها ذلك النمط من الحياة الإجتماعية الذي لا يمكن أن يكون إلاِّ نمط الكسالى غير المنتجين وغير الأكفاء.

 

كذلك فإن للمؤسسة التعليمية دوراً كبيراً منتظراً في ترسيخ قيم العمل في نفوس أبناء أي مجتمع وتلقينهم قيم العمل والإنتاج كقيم تميز ما بين المواطن الجيد والمواطن الذي يعيش عالة على المجتمع. ومن الضروري أن تزخر البرامج التعليمية بترغيب الأطفال في حب وإحترام العمل وحتمية أن يكون نظام الحياة في المجتمع في خدمة العمل كعامل من العوامل التي تخض على أن يولي المواطن العمل أقصى درجات إهتمامه وجهده وولائه.

 

إن نظرة فاحصة لأحوال مجتمعنا تؤكد أنه من المستحيل بلوغ الأهداف المرجوة مع بقاء الأحوال على ما هي عليه في هذا المجال ، فما لم تتبدل أساليب العمل الإداري وما لم نعد إلى أساليب الحياة الإجتماعية التي كانت سائدة في مصر قبل عقدين أو ثلاثة عقود وما لم يعد وضع البرامج التعليمية للأطفال على أسس ترسخ في أعماقهم قيم العمل ، فإن كل حديث عن التنمية والإزدهار والتقدم يبقى ضرباً من ضروب الأحلام والخيال. ومن المهم للغاية في هذا المقام أن ندرك أن المناشدات والنداءات والمطالبات التي تعلو بها بعض الأصوات مطالبة العمال بمزيد من العمل والمنتجين بمزيد من الإنتاج ، هي أمور غير مجدية إذ أنه لا تنهض أمة بنداءات وإنما بخطط محكمة في أساليب الإدارة وفي برامج التعليم وفي الإعلام وأيضاً على مستوى السرة: فكيف نأمل أن نتحول إلى أمة منتجة والأسرة من جهة والعديد من وسائل الإعلام من جهة أخرى لا تحض على أسلوب حياة يقوم على الإنتظام والإستيقاظ المبكر والعمل الجاد وعدم الإنخراط في حياة إجتماعية صاخبة تحول الليل إلى نهار؟ ففي ظل ذلك لا مجال لمزيد من العمل أو لمزيد من الإنتاج.

 

إنني في المرات القليلة التي أتيح لي فيها أن أشهد كيف تسهر الأسر بكل أفرادها أمام برامج التليفزيون أو كيف يسهر الأغنياء الجدد في حفلات عشاء تستمر إلى الساعات الأخيرة من الفجر كلما أمنت أننا لا نزال بعيدين عن "الروح العامة" لمجتمع عمل وإنتاج في المقام الأول.