ميكيافيللي المُفترى عليه.

ما أكثر الأخطاء الشائعة بين الناسِ والتي تعود في قسمٍ كبيرٍ منها لكون معظمِ الناسِ يعتمدون على الثقافةِ السمعيةِ وليس على المطالعةِ الجادةِ. ومن هذه الأخطاء الشائعة فكرةُ الناسِ عن المفكرِ السياسي ذائع الشهرة نيكولو ميكيافيللي (1469/1527). فمنذ طالعت كل مؤلفاته خلال السنوات ما بين 1970 – 1973، لم أسمع أحداً يشير إليه إلاَّ بواحدةٍ من إثنتين: أولهما ربط إسمه بكتاب "الأمير" (أصغر مؤلفاته وأقلها شأناً – ناهيك عن عدوله بعد كتابته عن أَراءٍ عديدةٍ له وردت في هذا الكتاب)ِ، وثانيهما الربط بين اسمه وبين مقولةِ أن "الغاية تبرر الوسيلة". وهكذا تَختصر الثقافةُ السمعية كتاباتِ رجلٍ مهمٍ للغايةٍ في سطرين لا غير. إن ميكيافيللي عاد في كتاباتٍ أعمق وأوسع وهذب فكرة الغاية تبرر الوسيلة. في سنة 1973 (وأنا في فندق بمدينة قسنطينة الجزائرية الساحرة) طالعت باستمتاعٍ عقليٍّ هائلٍ كتابَ ميكيافيللي الكبير (المطارحات) والتي تقل صفحاته قليلاً عن ألف صفحة. وهو كتاب وضعه بعد أن ذاعت شهرتُه بطلبٍ من أُسرةِ Medici الشهيرة كمنهجِ عملٍ لحكومةِ فلورنسا. وسأخصص هذا المقال لمقولةٍ رائعةٍ لهذا المفكر السياسي الذي ظلمته الثقافةُ السمعية لبشرٍ يؤثرون الإستسهال عن الجهدِ والمطالعةِ المدققةِ. يقول ميكيافيللي إن الحاكمَ الذي هو في حد ذاتِه ليس حكيماً لا يمكن أن يحصل على نصيحةٍ حكيمةٍ أو أن يحيط نفسه بمستشارين حكماء. لقد أرتني تجربةٌ خصبةٌ في الحياةِ وجهِّي هذه المقولة. فما من حاكمٍ تعاملتُ معه وكان هو نفسه غيرَ حكيمٍ إلاَّ ووجدتُه يبحث عن النصيحة لدى من لا يمكن أن تكون نصيحته صائبة أو حكيمة. كما أنه يحيط نفسه بمساعدين وبطانةٍ تكون عادةً غيرَ حكيمةٍ بل وذات محصولٍ علمي ومعرفي ضحل، مع أخلاقٍ رديئةٍ وانشغالٍ لا بتقديم الحقائق له (أو لها)، وإنما بعملِ سياجٍ من حولِه (أو من حولها) وإبعادِ أصحابِ العقولِ الكبيرةِ وإمطاره (أو إمطارها) بزيفه ورياءه والمدح والتغني بمناقب ومآثر معظمها غير موجود. أما الوجهُ الآخر لتلك المقولةِ الصائبةِ فهي أنني لم أر حاكماً حكيماً إلا وكان يعرف من يستشير وكيف يطلب الحكمةَ من أصحابِها والمعرفةَ من أهلِها. وفي بعضِ الأحيانِ فقد كان الحاكمُ الحكيم غير ذي نصيب وافر من العلم والمعرفة مثل رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر والرئيس الأمريكي رونالد ريجان ولكنه (أو ولكنها) كان بحكمتِه يعرف طريقَه للحكمةِ والنصيحةِ الصائبةِ واستعمال المستشار الجدير بالاستشارة.

 

كذلك رأيتُ معناً ثالثاً من معاني مقولة ميكيافيللي الحكيمة. فالحاكمُ الذي يستخف بأصحابِ العقولِ الكبيرةِ يختار دائماً مستشارين يكونون مثله في الاستخفاف بأصحاب العقول الكبيرة. وهنا يرى الإنسانُ عمقَ ومعنى وحكمة المقولة النبوية الرائعة : : (ويلٌ للعالمِ من الجاهلِ). بل إنني أضيفُ أن معظمَ عيوبِ الحاكمِ غير الحكيم توجد مجسدةً فيمن يختارهم ليكونوا مساعديه. فالحاكمُ غير الحكيم الذي يعشق المديح والإطراء يكون مساعدوه على شاكلته عُشاقاً للمديح والإطراء. والحاكمُ غير الحكيم الذي لديه لوثة الظهور في الإعلام يكون مستشاروه على شاكلته في هذه المثلبة. ولا شك أيضاً أن الحاكمَ غير الحكيم (الفاسد والنَّهاب) والذي ينهب بذاته ولذاته ويفتح طرق النهب لأبنائه وبناته وحواريه، يكون مساعدوه مثله في تلك الصفة من صفات اللصوصية. منذ ست سنوات أخل حاكمٌ عربيٌّ (لآخر مرة) بطبيعة الحاكم غير الحكيم وطلب مني أن أشرح له أفضل طريقة للانتفاع بثروةٍ طبيعيةٍ حبا اللهُ بلدَه بها. نصحتُه بنصيحةٍ تنطلق من خبرةٍ طويلةٍ ومن واقع كوني رجل قد رأس أكبر شركة في العالم تعمل في مجال الثروة الطبيعية التي سألني بشأنها، ناهيك عن تخصصي الدقيق في موضوع السؤال. نصحتُه بأمرٍ ونصحه آخرون بما قلتُ له أنه أسوأ الخيارات. اليوم (وبعد ست سنوات) فإنه وبلدَه يدفعون ثمن أنهم ساروا وراء نصيحة من لا يعلم وأعرضوا عن نصيحة من يعلم. كانت نصيحتي كفيلةً بأن تحقق لبلد هذا الحاكم مليارات الدولارات سنوياً لو أنه إتبعها … ولكنه يحصل اليوم نحو عشرة في المائة (10%) من مستوى تلك العوائد لأنه استمع لنصح من لم يكن من الواجب أن يُستشار. هنا أيضاً كان ميكيافيللي على حق: فالحاكم غير الحكيم وضعت أمامه النصيحة الحكيمة وغير الحكيمة فأختار الثانية لأن مقدميها بشر صيغتهم وعجينتهم وسبيكتهم مثل صيغته وعجينته وسبيكته هو.

 

وجوهر المسألة ، أن ميكيافيللي كان على حق بشكل كامل عندما أوضح لنا أن البحث على النصيحة الحكيمة يستلزم أن يكون الباحثُ هو نفسه حكيماً.

ولكن هل نحن أصحاب ثقافة نصح؟ .. لا أظن. فما أقل المستشارين الأكفاء أصحاب المحصول المعرفي الواسع حول معظم حكام منطقتنا. ولا أدل على ذلك من خلو واقعنا من "مراكز النصح والإستشارة". ففي العاصمة الأمريكية (واشنطن) أكثر من خمسين مركز بحث (كلها من منظمات المجتمع المدني) مختصة بشئون الشرق الأوسط. والسؤَال هو: إذا لم يكن لدينا مركز واحد (غير حكومي) مقابل (أي مراكز دراسات أمريكية أو أوروبية أو إسرائيلية) فما معنى هذا إلاِّ أننا عن (المشورة) و(النصح) "عازفون" و"مستغنون" – وإننا (في ذات الوقت) لسنا أصحاب ثقافة نصح ومشورة.