هل تصدير الغاز المصري "خطأ استراتيجي" ؟

نشرت جريدةُ الوفد في عددِها الصادر يوم الإثنين 10 يناير الجاري مقالاً غير موقع يصف القرارَ المصري بتصديرِ الغاز الطبيعي بأنه "خطأٌ استراتيجي" . وبينما نحمد للوفد أنه استعمل تعبير "خطأ استراتيجي" ولم ينجرف مع تلك المجموعة المتشنجة من حملة الأسواط (لا الأقلام) والتي تميل ميلاً عاطفياً جارفاً لاستعمال مسميات مثل (الخيانة) و(العمالة) و(التنازل) و(الانبطاح) إلى آخر هذا القاموس الفاشي الذي يجعل العالمَ المتمدين يتعجب من أحوال بعضنا الفكرية أقول بينما يحمد للوفد أنه جعل الحوار في دائرة "الصواب الاستراتيجي" و"الخطأ الاستراتيجي" ، إلاَّ أَننا نعطي أنفسنا الحق في أن نختلف مع وجهةِ النظرِ هذه اختلافاً كاملاً .

 

وأعتقد أن الحوارَ العلمي حول هذه المسألة يجب أن يكون مرتبطاً برقمٍ محددٍ هو حجم الاحتياطيات المتوفرة من الغاز الطبيعي . فبناءً على هذا الرقم يمكن أن نبحث مدى (خطأ) أو (صواب) قرار التصدير .

 

فلو كانت احتياطياتُ مصرَ تبلغ أكثر من خمسين تريليون قدم مكعب (وهو رقم بالغ التحفظ إذ قد تكون الاحتياطيات أكثر من ذلك بكثير) فإنه لا يمكن الجزم بأن قرارَ التصديرِ قرارٌ خاطئ . فأغلب الظن أن افتراضَ توسع مصرَ داخلياً في استعمالاتِ الغاز الطبيعي وإعتمادها عليه في مجالات توليد الطاقة الكهربائية وعددٍ من الأغراض الصناعية الهامة مثل صناعات الأسمدة والبتروكيماويات والألومنيوم وغيرها ، أقول أن أكثر سيناريوهات الاستعمال المحلي للغاز الطبيعي لا يمكن أن تقدر احتياجات السوق المحلية خلال السنوات الخمس وعشرين المقبلة بأكثر من 4 مليار قدم مكعب يومياً (وهو ما يعادل 800 ألف برميل بترول يومياً) . ومعلوم أن تخصيص احتياطيات ما بين 20و25 تريليون قدم مكعب غاز تكفي لإنتاج 4 مليار قدم مكعب غاز يومياً لمدة 25 سنة .

 

وبالتالي ، فإنه يكون من الصواب أن يقول قائل أننا ما كان لنا أن نفكر في تصدير الغاز طالما بقت احتياطاتُ الغاز لدينا أقل من 25 تريليون قدم مكعب . أما وأن التقديرات العلمية تؤكد أن احتياطيات الغاز في مصرَ لا تقل بحالٍ من الأحوالِ عن 50 تريليون قدم مكعب وقد تصل لأكثر من ضعف هذا الرقم إذا جاءت نتائجُ عملياتِ الحفرِ في المياهِ العميقة بمنطقةِ شمال دلتا النيل مؤكدة لما توحي به بيانات المسح السيزمي ثلاثي الأبعاد ، فإنه يكون من الخطأ الزعم بأن تصديرَ الغاز المصري سيكون على حساب الاستعمالات المحلية الصناعية وغير الصناعية للغاز الطبيعي . إذ أن ثبوت أن الاحتياطيات تفوق رقم الـ 50 تريليون قدم مكعب يجعل من الميسور إرضاء السوق المحلية (لأقصى حدٍ) وإرضاء سيناريوهات تصدير الغاز أيضاً .

 

كذلك ، من المهم للغاية ألاَّ نخلط بين (مسألة تصدير الغاز الطبيعي للخارج) ومسألة (تصدير الغاز المصري لإسرائيل) .فتصدير الغاز الطبيعي للخارج بعد تجاوز رقم معين للاحتياطيات يصبح أمراً حتمياً ومفيداً إقتصادياً واستراتيجياً (وهو ما تفعله ماليزيا وهولندا والنرويج وكلها دول ذات أنشطة صناعية كبيرة في الداخل ، ولكن ذلك لا يمنعها من تصدير الغاز لتحقيق عوائد مهمة للاقتصاد) .

 

أما تصدير الغاز المصري لإسرائيل ، فقرار له شق اقتصادي وشق آخر استراتيجي . ولا شك أن القيادة السياسية عندما تتخذ قراراً بتصدير الغاز المصري لمنطقة الهلال الخصيب بما فيها إسرائيل سوف تفعل ذلك في مرحلة ترى فيها إن ذلك يُساعد على تطور عملية السلام في المنطقة .

 

وبالتالي ، فإن معارضةَ تصدير الغاز الطبيعي المصري لمجرد أن ذلك قد يؤدي لتصدير الغاز المصري لإسرائيل هو منهجٌ غير منطقي في التحليل . فيجب أولاً أن ننظر إلى مسألة تصدير الغاز المصري للخارج بشكل مطلق وهل هي ممكنة أم لا ؟ وهل هي على حساب الاستعمالات الداخلية أم لا ؟ وهل هي ذات عوائد مفيدة لإقامة التوازن المنشود بين (الواردات) و(الصادرات) أم لا ؟ وفي اعتقادي كرجلٍ أمضى سنوات طويلة في مجال الغاز الطبيعي ، فإلى جانب وضعي للعديد من المراجع في هذا الشأن فقد كنت ولقرابة عشر سنوات رئيساً لمجموعة شركات تتبع المجموعة المتعددة الجنسيات التي كانت لسنوات طويلة أكبر شركة بترول في العالم ، وفي اعتقادي (انطلاقاً من تلك الخلفية) أن تصدير الغاز المصري (وبكميات هائلة) أمر ممكن فنياً ومربح بشكلٍ كبيرٍ جداً اقتصادياً ولم يعد الآن على حساب الاستعمالات الداخلية مهما كانت التصورات في هذا الشأن طموحةً . وأخيراً ، فإنه يكفي أن ندرك أن خطة طموحة لتصدير الغاز الطبيعي المصري بالأنابيب وفي شكل غاز مسال لأوروبا ثم لجنوب شرق آسيا في مرحلة تالية يمكن أن تجعل صادراتنا من الغاز الطبيعي تصل إلى مستوى 4 مليار قدم مكعب يومياً (إلى جانب نفس الكمية للاستعمالات المحلية) وهو ما يعني دخل صافي للجانب الوطني من عمليات التصدير تتجاوز 2 مليار دولار أمريكي في السنوات الأولى ثم تصل إلى 4 مليار دولار أمريكي بعد قيامِ الشركاءِ الأجانب باستردادِ ما أنفقوه من استثماراتٍ على عمليات البحث والتنمية والتصدير . ولا شك ، أن قطاع البترول المصري هو القطاع الوحيد (أو من القطاعات القليلة الوحيدة) التي بوسعها أن تحقق إيرادات على هذا المستوى من صادرات من نوع واحد للخارج ، وهو أمر هام للغاية لتقليص الهوة بين صادراتِ ووارداتِ مصرَ .

 

وأكرر أن هذا المنطق يبقى سليماً وراجحاً من الناحية الاستراتيجية ومن الناحية الاقتصادية بصرف النظر عن قرار تصدير الغاز المصري لإسرائيل وهو قرار ينبغي أن يُسلم معي كل الفرقاء بأن القيادةَ السياسية في مصرَ تملك من الحكمةِ وبعد النظر ما يجعلنا نؤمن بأن قرارها في هذا الشأن لن يتخذ إلاَّ إذا كانت القيادةُ السياسية ترى أنه ليس فقط قراراً صائباً من وجهة النظر الاقتصادية بل و من الزاوية التي تنظر لعملية السلام من وجهة النظر المصرية و تعمل ما تراه ملائماً لتطوراتها و تطويرها صوب الهدف المنشود لها "من وجهةِ النظرِ المصرية" .