حاجتنا لرجال دين عصريين .

سألتني قارئة (في رسالة إلكترونية) بعد أن طالعت إنتقاداتي المتكررة للتكوين العلمي والثقافي لجل رجال الدين الإسلامي عمن أرى أنهم جديرون بأن يكونوا رجال دين إسلامي . وقد كتبت لها الرد التالي : الإجابة موجودة فى أكثر من موضع بكتبي ؛ ولكنه يسعدني أن أجيب بشكل موجز بالتالي : شهد المسلمون خلال القرون الخمسة الهجرية الأولى نشاطاً فكرياً هائلاً فى سائر مجالات الفكر الإسلامي  - علم أصول الفقه وعلم الكلام والتفسير والتأريخ - وهو ما تمخض عن ثروة في الآراء والإجتهادات من أقصى اليمين المحافظ كالمدرسة الحنبلية لأقصى درجات التوسع فى التأويل وإعمال العقل بنفس درجة إعمال النقل – وربما أكثر (مثل المفكر العظيم إبن رشد) ؛ وبين هذا وذاك شتى أنواع المدارس . ففى مقابل من كان لا يقبل من الأحاديث إلا أقل من مائة حديث (كأبي حنيفة النعمان) كان هناك من يعتمد أكثر من عشرة آلاف حديث (مثل أحمد بن حنبل) . ولكن المسلمين إرتكبوا جناية كبرى فى حق أنفسهم وفى حق دينهم عندما توقفوا عن البحث عن مفاهيم وحلول جديدة عندما أعلنوا "قفل باب الإجتهاد" والإنكباب على ما أنتجه السابقون من مفاهيم وحلول - رغم أنها كانت إبنة زمانهم وثمرة ظروف عصرهم . وهكذا ؛ فإن المسلمين منذ نحو ثمانية قرون فى حالة إجترار لأفكار رجال آخرين إجتهدوا لزمانهم لا لزماننا . وبينما كان رجال الدين - منذ ثمانية قرون – من نوعية إبن رشد الذي كان بقامة مثل قامة أرسطو ؛ فإن رجال الدين اليوم لا يقرأون إلا بالعربية ولا يعرفون علوم ومعارف العصر كما أنهم من بيئات إجتماعية لا تسمح لهم ظروفها بالإنفتاح الفكري على إبداعات الإنسانية فى سائر مجالات العلوم الإجتماعية والإنسانيات . إننا بحاجة لجيل جديد ممن إستوعبوا علوم وثقافات ومعارف العصر بقدر معرفتهم بتراث المسلمين السابقين . منذ سبعين سنة ؛ كان شيخ الأزهر فى مصر - الدكتور مصطفى عبد الرازق - أستاذاً سابقاً للفلسفة - وأين ؟ ليس فى جامعة الرياض أو جامعة صنعاء ؛ وإنما فى جامعة السوربون !! لقد جمعتني الظروف بعدد من رجال الفاتيكان ؛ وكنت دائما أتحسر : لماذا يحفل الفاتيكان برجال دين على هذا المستوى التعليمي والثقافي والمعرفي الموسوعي في شتى مجالات المعرفة ؛ بينما رجال الدين عندنا لا يعرفون أى شىء  عن الثمار العظيمة للإبداع الإنساني فى عشرات المجالات التي تنضوي تحت فروع العلوم الإجتماعية والإنسانيات المختلفة . فى مؤتمر منذ سبع سنوات رأيت من يعتبره البعض أكبر الفقهاء والدعاه الإسلاميين المعاصرين (وهو المصري المتجنس بالجنسية القطرية والذي هرب من مصر إبان أزمة صدام الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر في سنة 1945) وهو يستعمل أكثر من مترجم ولا يدخل فى أي نقاش يتعلق بالأفكار والتيارات الحديثة فى العديد من المجالات ؛ بينما كان رجال الفاتيكان يصولون ويجولون بأربع أو خمس لغات وفى كافة المجالات المعرفية - ولا أكتم القول أننى شعرت يومها بالخجل منه فقد كان بدائياً فى كافة المجالات والتصرفات وكأنهم أتوا بإنسان بداءي من أحراش جزيرة بورنيو . نريد جيلاً من رجال الدين درس الأديان الأخرى والتاريخ الإنسانى والآداب العالمية والفلسفة وعلم الإجتماع وعلم النفس ويجيدون عدداً من اللغات ( لغات الحضارة) ... وحتى يحدث هذا ؛ فسيظل مستوى رجال الدين عندنا على ما هو عليه الآن من البدائية والسذاجة والضحالة والإنعزال عن مسيرة التمدن والإنسانية ...  قبل أن أبلغ العشرين علّمني المسرح اليوناني والفلسفة اليونانية القديمة راهب كان يرأس الدير الدومينيكي فى العباسية بالقاهرة وهو الأب جورج قنواتي ؛ وعلّمني راهب آخر ما جعل البعض اليوم يظن - وهو غير حقيقي - أنني متخصص أكاديمياً في الديانة اليهودية . ولم أر فى حياتي رجل دين إسلامي موسوعي المعرفة . والخلاصة ، أنه كما أننا متخلفون فى سائر العلوم والمجالات ؛ فإننا متخلفون لأبعد آماد التخلف فى علوم الدين الإسلامي وحالنا فى الدين الإسلامي كأحوالنا فى الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وأبحاث الفضاء - إننا لسنا سوى "عالة" على البشرية - حتى السلاح الذى يستخدمه رجال الجماعات التي تسمي نفسها بالجهادية هو من صُنع الآخرين الذين يعملون ونتكلم نحن فى تفاهات الأمور .

 

إن عدم ظهور رجال دين من الطراز الذي وصفت معالمهُ فيما سبق من هذا المقال أي رجال يجمعون بين ذروة علوم الإسلام وذروة علوم العصر ، بدون ظهور جيل من هؤلاء ، فإن المسلمين ستزداد عزلتهم عن ركب البشرية وستزداد حملات الهجوم عليهم والتخوف والحذر منهم بل وأتصور طرد أعداد كبيرة منهم من المجتمعات الأوروبية ومجتمعات أمريكا الشمالية كما قد تتكرر مصادمات مثل صدام الغرب مع طالبان في أفغانستان وسيصبح المسلمون (أو بالأحرى : ستصبح قطاعات كبيرة من المجتمعات الإسلامية) العدو الأول للحضارة الغربية بل وربما للإنسانية .

 

ومن المستبعد أن يحدث التطوير المنشود داخل المؤسسات الدينية . فأكبر المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم حالياً (في السعودية وفي مصر بالتحديد) تطرد عناصر التجديد والتغيير البسيط ، فما بالك بالتغيير الشامل المنشود . لقد طردت إحدى الجامعات الإسلامية الدكتور / أحمد صبحي منصور لمجرد رفضه لأن تكون الأحاديث النبوية مصدراً للأحكام الفقهية . وكان الجدير بها أن تختلف معه إختلافاً علمياً لا يخرج عن دائرة الحوار والجدل ومقارنة الحجة بالحجة . وهو أمر غريب ، فقد كان أبو حنيفة النعمان غير بعيد عن هذا الموقف الذي إتخذه الدكتور / أحمد صبحي منصور . فبينما قبل بعض الفقهاء الأحاديث النبوية ، فإن أبا حنيفة قد رد معظم هذه الأحاديث وإكتفى ببضعة عشرات منها – وبكلمات أكثر تحديداً فإننا لو كنا قد وضعنا أمام أبي حنيفة كتاباً مثل صحيح البخاري لكان قد رفض أكتر من تسعين بالمائة من محتوياته ، ولكانت الجامعة الإسلامية قد حكمت بتكفير أبي حنيفة الذي هو أول الفقهاء الأربعة والملقب في التاريخ الإسلامي بالإمام الأعظم . والخلاصة أن أحوال المؤسسات الدينية الإسلامية المعاصرة لا تشي بقدرتها على إفراز رجال من نوع أبي حنيفة النعمان وإبن رشد ، فهى تزداد إنغلاقاً وإنكباباً على المراجع الصفراء ويقتصر دورها منذ قرون على الشرح على المتون ولا يكاد يوجد بين رجالها من طالع ولو كتاب واحد بأية لغة غير العربية . وعليه ، فإن التغيير المنشود مرهون بإرادة سياسية تستند على حس تاريخي وإستشراف مستقبلي ، وهى مؤهلات غير متوفرة بكثرة في المجتمعات الإسلامية . ولكن بدون إرادة سياسية تهدف إلى إجراء عمليات كبيرة داخل بنية الفكر الإسلامي وجعل هذا الفكر منسجماً مع العصر وع العلم ومع مسيرة المدنية ، فإن المسلمين سيكونون في طريقهم لمواجهة مع البشرية تشبه إصطدام الأجرام في الأفلاك السماوية .