سعد زغلول ووحدة عنصري الأمة.

يعترف المؤرخون بأن الزعيم المصري الذي إستطاع أن يذيب الحساسيات بين المسلمين والأقباط هو سعد زغلول الفريد في تحقيق هذا التآخي بتلك الدرجة بين عنصري الأمة المصرية. فمعروفٌ أن الأقباط لم يتحمسوا لزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد. ومعروف أن الأقباط لم يستمروا في حماستهم للوفد بعد وفاة سعد زغلول كما كانوا إبان حياته. كذلك كانت علاقة الأقباط المصريين بأحزاب ما قبل الثورة وبقيادات نظام ما بعد يوليو 1952 علاقات تتأرجح بين "الحذر والترقب" في أهدأ الحالات، والتوتر الساخن في أسوأها. ومعلوم أن علاقة أنور السادات بأقباط مصر قد شهدت تدهوراً محزناً إنتهى بموقف السادات المعروف من رأس الكنيسة القبطية في سبتمبر 1981 عندما أعلن إلغاء قرار تنصيبه بطريركاً.

 

فما هو جوهر العبقرية الزغلولية في خلق تلك المعادلة الفذة التي جعلت عنصري الأمة المصرية خلال السنوات العشر منذ 1919 كالضفيرة الواحدة في وإرتباط عنصريها؟ حتى تتيسر الإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن ننعم النظر قليلاً في أحوال مصر في مستهل هذا القرن:

 

كانت السنوات ما بين سنة 1906 و1910 من أسوأ السنين فيما يتعلق بتأزم العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها؛ فخلال تلك السنوات وكنتيجة لسياسات ممثل الإحتلال البريطاني في مصر سير الدون جورست وسلفه اللورد كرومر، والتي قامت على بذر الحزازات بين المسلمين والأقباط عن طريق التنافس الدامي على الوظائف، ناهيك عن إذكاء نار التعصب سيما بالإيعاز للأقلية القبطية أن أبناءها لا ينالون حقوقهم كاملة وأن الفرص لا تتاح لهم كما تتاح للمسلمين؛ نتيجة لذلك تأزمت العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر الحديث. وبلغ تأزم العلاقة حداً بعيداً عندما أخذت الصحف اليومية تعبر عن وجهتي النظر في الخلاف المشتعل بشكل زاد من إشتعال نار الخلاف؛ وفي رسالة نال بها حسن الموجي الدكتوراة عن موقف الصحافة الشامية من مشاكل الواقع المصري ما بين 1900 و1914 عرضٌ شيقٌ للكيفية التي إنعكس بها هذا الخلاف على كبريات الصحف المصرية يومذاك. وقد بلغ التأزم أقصاه عندما قتل بطرس غالي رئيس وزراء مصر القبطي يوم 20 فبراير 1910 برصاصة أرداه بها إبراهيم الورداني. وخلال هذه السنوات كان سعد زغلول وزيراً في الوزارات التي تعاقبت على حكم مصر إبتداء من وزارة مصطفى فهمي الأخيرة (1906-1908) ووزارة بطرس غالي (1908-1910) ثم وزارة محمد سعيد منذ 1910وحتى إستقالة سعد زغلول سنة 1912. خلال تلك السنوات أتيح لسعد الذي مكنته طبيعته كرجل قانون كما ساعدته ثقافته التي جمعت بين التراث والعصرية، أن يراقب الأزمة ويقف على حقيقتها. أدرك سعد بحنكته أن "العدل" بين طرفي الأمة يستأصل شأفة الحزازات. كذلك أدرك سعد زغلول أن مبادرة الأغلبية بكفالة الشعور بالأمان لدى الأقلية هو الأمر الطبيعي والذي ستنجم عنه حالة سلم حقيقية لا ظاهرية؛ وأن الأقباط عندئذ سيكونون أبعد ما يكونون عن التعصب أو القلق على أنفسهم ومصالحهم. وكما إختزن سعد خبراته في الحياة سواء إبان أيام الثورة العرابية التي شارك فيها أو أيام السجن القديمة أو إبان إشتغاله بالمحاماة والقضاء ثم وزيراً ثم نائباً في الجمعية التشريعية (1913-1914) ثم سنوات المخاض الأخير خلال سني الحرب العالمية الأولى؛ فقد إختزن سعد زغلول الدرس المستفاد من مراقبة تلك التجربة؛ وعندما وضعته الظروف في موضع قائد ثورة 1919 فإن سعداً وظف خلاصة تجاربه في الحياة أكمل توظيف؛ فإذا بقيادته الفذة للثورة تجعل من فرقاء الأمس القريب الألداء رفقاء الثورة المشتعلة وجنودها الأوفياء. ورغم إعتقادنا أنه لا توجد أية حاجة لتقديم الأدلة على إئتلاف مسلمي مصر وأقباطها إئتلافاً بالغ الروعة منذ إشتعال ثورة 1919 بسبب القبض على الرجل الذي إجتمعت ثقة عنصري الأمة فيه؛ حيث أن جميع المؤرخين قد أوفوا هذه الظاهرة حقها؛ فإننا نود أن نقتطف فقرات من كتاب موسوعة تاريخ مصر (الجزء الرابع-صفحة 1567) للأستاذ/ أحمد حسين حيث يقول في وصف مظاهرة الشعب الكبرى يوم 17 مارس 1919 (ولعل أروع ما أبرزته هذه المظاهرة الكبرى هو هذه الظاهرة التي سيطرت على الأحداث من اللحظة الأولى، وهي ظاهرة التضامن الوثيق بين المسلمين والأقباط بعد أن تصور الإنجليز أنهم نجحوا في التفرقة بين عنصري الأمة، فإذا بالمفاجأة وكم لثورة 1919 من مفاجآت، تظهر كيف ساد التلاحم بين المصريين في لحظة وأصبحت الكلمة التي تتردد على الشفاه "الدين لله والوطن للجميع" وظهرت الأعلام في هذه المظاهرة الكبرى وقد رسم عليها الصليب مع الهلال).

 

وخلال سنوات الكفاح الوطني ما بين 1919 و1924 كان سعد محاطاً برفاق مخلصين من بينهم أقباط أعلام مثل واصف غالي وويصا واصف وسينوت حنا وفخري عبد النور وجورجي خياط ومرقص حنا ومكرم عبيد وغيرهم. ولعل معظم القراء المهتمين بتاريخ مصر يذكرون أن سعداً عندما إعتقل يوم 23 ديسمبر 1921 من قبل قوات الإحتلال البريطاني في مصر ونفي، فقد كان إثنان من أصحابه الخمسة الذين قررت سلطات الإحتلال نفيهم معه من كبار الشخصيات القبطية (سينوت حنا ومكرم عبيد). وبعد قليل ألقي القبض على سبعة من رفاق سعد زغلول أربعة منهم أقباط حاكمتهم سلطات الإحتلال وأصدرت حكماً بإعدامهم في 11 أغسطس 1922 (حمد الباسل، ويصا واصف، مرقص حنا، واصف بطرس غالي، علوي الجزار، جورجي خياط، مراد الشريعي). وبعد إعتقال هذه المجموعة من زعماء الوفد تكونت الزعامة الثالثة للوفد والتي ضمت عبد الرحمن فهمي ومصطفى القاياتي ومحمود فهمي النقراشي ومحجوب ثابت ومحمد نجيب الغرابلي وفخري عبد النور ونجيب إسكندر وعبد الستار الباسل وحسن يس. وبعد إعتقال هذه المجموعة تشكلت زعامة رابعة للوفد من المصري السعدي وحسين القصبي ومحمود حلمي إسماعيل وعبد الحليم البيلي وراغب إسكندر وسلامة ميخائيل. وتظهر الأسماء بوضوح أن الشخصيات القبطية كانت متغلغلة في تكوين الوفد بكافة مستوياته. وعندما إكتسح سعد أول إنتخابات حقيقية في تاريخ مصر وألف أول وزارة شعبية في تاريخ مصر الحديث في يناير 1924؛ إذا بسعد يعين وزيرين قبطيين في وزارته التي كانت تتكون يومئذ من رئيس وتسعة وزراء فقط (مرقص حنا وواصف غالي).

 

وهكذا يتضح أن سعد كان يعمل على إلغاء التعصب عن طريق إشاعة روح الوطنية المصرية وبث روح الإطمئنان بين الأقباط وجعلهم جزءاً لا يتجزأ من بنية حزبه، وتوزيع الأدوار في الحزب على أساس الكفاءة لا الدين. ومن جانب آخر فإن روح الإخلاص والوفاء والولاء هي أهم معالم مواقف الأقباط. وهو ما تمثل ذات يوم في أعظم المواقف عندما هم أحد الجنود بطعن مصطفى النحاس بحربة مسمومة في مطلع الثلاثينات؛ فإذا بقبطي كبير يلقي بنفسه على النحاس لفدائه فتصيب الحربة المسمومة سينوت حنا بجرح غائر يموت- بعد أيام- بأثره وقد قدم مثالاً لا تمحوه الأيام للمعادلة العبقرية في ربط عنصري الأمة برباط الوطنية الذي لا تنفصم عراه إلا عندما ينخر التعصب في بدن الأمة سواء في شكل فكر رجعي لا يصلح لهذه الأمة ذات العنصرين ولا يصلح لهذا الزمان، أو في شكل تعصب مقيت من جانب بعض شخصيات الجانبين.