التعليم ... التعليم ... التعليم .


تنقسم المؤسسات التعليمية في العالم اليوم إلى مجموعتين . مجموعة أولى تتبع نظم القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في التعليم (بأشكالٍ ودرجاتٍ ونسبٍ متفاوتة) . وتتسم فلسفة التعليم الخاصة بهذه المجموعة بصفتين أساسيتين : (1) التلقين و(2) إختبارات الذاكرة . أما المجموعة الثانية فهي التي طورَّت نظماً تعليمية محورها فلسفة مختلفة عن التلقين وإختبارات الذاكرة , إذ تقوم على بث مجموعة من القيم مثل الإبداع وحرية البحث والإيمان بتعددية الحياة والمعرفة والإيمان بعالمية العلم والعمل الجماعي والقدرات الخلاقة للموارد البشرية . وتهتم هذه المجموعة بالإبداع عوضاً عن إهتمامها بالتلقين . ورغم أن نظم التعليم في أوروبا قد شهدت إنتقالاً لا يُنكر من فلسفة تعليمٍ تشبه فلسفة التعليم التي تتوخى التلقين وإختبارات الذاكرة إلى فلسفة تعليم محورها الإبداع , إلا أن دولاً مثل اليابان وعدد من دول شمال أوروبا (أبرزها فنلندا) ودول أخرى مثل سنغافورة قد سبقت الجميع في الإنتقال الواسع من فلسفة التعليم المرتبطة بالتلقين وإختبارات الذاكرة إلى فلسفة التعليم المعنية بالإبداع وبث قيم التقدم التي أشرت إليها آنفاً ( وقد قامت إسرائيل منذ سنوات بتبني عدد كبير من برامج التعليم في سنغافورة ) .

 

بينما كان التعليم في الدول المتقدمة خلال عقودٍ عديدة حتى منتصف القرن العشرين لا يفصل بين (العلم للعلم) و(العلم لخدمة الحياة) . فإن هذه المجتمعات المتقدمة أخذت تؤسس لتلك التفرقة وتجلياتها في مجال التعليم التقني البحت حيث أصبحت هناك رؤية واضحة للفارق بين "البحث العلمي" و "التكنولوچيا" : فبينما يخدم البحث العلمي الإنسانية على المدى الطويل والبعيد وربما لا تكون له مردودات على المدى القصير والمتوسط , فإن بحوث التكنولوچيا تهدف لخدمة الحاضر والمستقبل القريب وللحياة الآنية وخدماتها وإحتياجاتها قبل أي غرض أخر .

ورغم أن هذا الملمح يبدو متصلاً بالعلوم التقنية أكثر من إتصاله بالعلوم الإجتماعية والإنسانيات , إلا أن ذلك ليس كذلك بشكلٍ مطلق . فحتى العلوم الإجتماعية والإنسانيات تشربت وتلونت وتأثرت بالإنتقال من فلسفة التعليم التي تتوخى التلقين وإختبارات الذاكرة إلى فلسفة التعليم التي تتوخى بث قيم الإبداع والتقدم .

 

ويمكن إجمال أهم قيم الإبداع والتقدم التي تهتم المؤسسات التعليمية المعاصرة في الدول الأكثر تقدماً في تطوير التعليم مثل (فنلندا والسويد واليابان وسنغافورة في النقاط العشر التالية) :

•  زرع الإيمان بتعددية الإيمان والمعرفة والعلم في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .

•  زرع الإيمان بعالمية الإيمان في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .

•  زرع قيم السماحة الفكرية والدينية في عقول ونفوس وضمائر أبناء وبنات المجتمع .

•  زرع الرغبة في التعرف على (الآخر) في برامج التعليم .

•  تأسيس مفهوم "إنسانية التقدم والعلم والمعرفة" .

•  تفعيل الإيمان بالموارد البشرية كمصدر الثروة والقيمة الأولى في المجتمع مع ما يحتمه ذلك من النهوض بوضع ومكانة المرأة في أي مجتمع .

•  تأسيس ثقافة "التعايش المشترك" .

•  إستئصال ثقافة "الملكية المطلقة للحقيقة" من أذهان وضمائر أبناء وبنات المجتمع.

•  إستئصال شأفة التعصب والتذمت من البنية الفكرية لأبناء وبنات المجتمع .

10-إيجاد صلات وثيقة بين التعليم والأنشطة الإقتصادية في كل مجتمع من المجتمعات .

 

منذ أيام شاركت (بصفةٍ إستشارية) في أعمال مجلس تطوير التعليم في إمارة أبوظبي مع عددٍ من أبرز خبراء التعليم الدوليين من أوروبا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية . ورغم أن نتيجة المداولات والمناقشات المُكثفة قد ترجمت في شكل (رؤية) و (مهام) و (إستراتيچية) و (سياسات) للتعليم في أبو ظبي خلال العقود الثلاثة القادمة في أوراقٍ لا يسمح هذا المقال لا بإيرادها ولا حتى بتلخيصها , إلا أن جوهر الرسالةِ كان كما يلي :

أولاً : توفر إرادة سياسية لتبني أحدث منظومات التعليم على وجه الأرض .

ثانياً : الإيمان المترجم إلى واقع وسياسات بأن تعليم الإبداع وقيم التقدم هو البديل الوحيد للتخلف وراء العصر , وبعيداً بعيداً عن الصفوف الأولى ومسيرة وركب التقدم الإنساني .

وقد أذهلني في هذه الإجتماعات توفر درجة عالية للغاية لدى الجانب الإماراتي لقبول النقد سواءً كان نقداً لمنظومة التعليم الحالية أو لأجزاءٍ كبيرة من مكونات المناخ الثقافي السائد وما يعنيه ذلك من إعادة تصميم البرامج التعليمية بهدف إستئصال مجموعة من القيم السلبية السائدة في كل المجتمعات العربية مثل التمجيد المبالغ فيه للماضي ونغمات مدح الذات السائدة في التراث العربي وهزال الإستعداد لقبول النقد أو ممارسته والميل الجارف لإرجاع عيوبنا لعناصر خارجية والإيمان الواسع بالتآمر علينا مع ضئيل إيماننا بالتعددية والغيرية ونحيل إهتمامنا بحقوق الإنسان وحقوق المرأة ناهيك عن جرعاتٍ صاخبة من التزمت والتعصب وخلطٍ لا يتوقف بين الديني والدنيوي ناهيك عن مستوى مرتفع من الأدلجة في زمنٍ أصبح فيه الأيدولوچي هو الوجه الآخر لعملة الماضوية , فنحن في زمن تتخلى فيه البشرية المتقدمة عن الأيدولوچيات وتنحصر أدواتها في العلم والمعرفة وتقنيات الإدارة الحديثة لكل جوانب الحياة ومؤسسات المجتمع .

إن إنغماسي خلال الأسابيع الماضية في مداولات مُطولة ومُعمقة ومُكثفة عن تطوير التعليم وتحديثه وترقيته جعلتني أتساءل : إذا كانت للتعليم خمسة أعمدة هي :

1- الفلسفة التعليمية .

2- المقررات والبرامج الدراسية .

3- المدرس .

4- التلميذ أو الطالب .

5- المكان الذي تتم فيه العملية التعليمية .

فهل لدينا الإرادة السياسية والوعي الإداري لأهمية العمل على تلك الأعمدة أو المحاور الخمسة بنفس القدر من الإهتمام والعناية ؟ وهل ندرك أننا لسنا بحاجةِ لعمليات تجميل وتحسين صورة (فيما يخص الأعمدة الخمسة المذكورة ) وإنما نحن بحاجة ل عملية إحلال ٍ شاملة ٍ وكاملة ٍ لشيء آخر جد مختلف عما هو لدينا ؟ .

 

ولا يسعني أن أختم هذا المقال دون أن ألفت الإنتباه إلى أن حقيقة التعليم في دولة مثل فنلندا والذي يعتبر اليوم أحد أهم وأفضل وأرقى ثلاثة نظمٍ للتعليم في العالم (فنلندا وسنغافورة واليابان) هو تعليمُ مجاني من بدايتهِ إلى نهايتهِ ليس بحكم قرارٍ سياسي وليس بموجب توجه حكومي وإنما بنص الدستور الفنلندي . أقول هذا لأقطع الطريق على من يظن أنني أود سحب التعليم في مصر من أرضيتة المجانية لأرضية التعليم ذي الكلفة العالية . فالإيمان أن عيب التعليم في مصر هو المجانية محض سطحية وعدم معرفة دقيقة بالكثير الذي ينبغي معرفته قبل الخلط في أي حديث عن تطوير التعليم .

 

وقد لاحظت من متابعتي لنظام التعليم في فنلندا و سنغافورة واليابان أن علاج التوسع الكمي في التعليم الجامعي عن طريق إلغاء المجانية لم يكن هو الحل في أية حالة من حالات التعليم الراقي في تلك البلدان . وإنما كان الحل هو إيجاد توازن ( عملي ورقمي وكمي) بين أ عداد من يتوجهون للتعليم الجامعي و أ عداد من يتوجهون للتعليم المهني . فبهذا التوازن وحده نستطيع تجاوز أثر التوسع الكمي على نوعية التعليم الجامعي (وهو أثر سلبي يؤدي لإنهيار المستويات). ومن أهم الأمثلة في العالم على قدرة مجتمع على إقامة هذا التوازن هو المثال الألماني ، وفي ألمانيا فإن التعليم أيضاً مجاني (من بدايتهِ ولأعلى المستويات) .

 

وأختم هذا المقال بتسجيل إيماني بأن تناول تطوير التعليم في مجتمع مثل مجتمعنا المصري سيكون دائماً مآله الفشل إذا إنطلق من منطلقات أيديولو چ ية ، دينية كانت أو قومية . فنحن هنا بحاجة للإسترشاد – فقط – بنتائج ودروس وتجارب الآخرين الذين أنجزوا الرحلة نحو تعليم عصري متقدم ومبدع وخلاق , كما أننا بحاجة ألا نستعمل أولئك الذين أوجدوا الداء لكتابة روشتة الدواء ؟ .