الثقافة العربية والإقامة في الماضي .


 

أجدادكم إن عظموا وأنتم لم تعظموا

فإن فخرَكم بهـم عارٌ عليكم مبرمُ . "العقاد .. "

 

" علاقتُنا بالماضي" موضوعٌ يمكن أن يفرغ مفكرٌ لدراستِه طيلة حياته دون أن يوفيه حقَه من الدراسةِ المعمقةِ كما ينبغي أن تكون الدراسةُ. لذلك فمن المستحيلِ تقديم تغطية كاملة لهذا الموضوع في فصلٍ مقتضبٍ كهذا الفصل بكتابٍ موجز كهذا الكتاب . ولكن من الممكن تركيز الاهتمام حول عدةِ محاورٍ بشكلٍ يصلح لأن يكون أساساً لمزيدٍ من النظرِ والتفكيرِ .

 

فمن جهةٍ أولى، فإننا من أكثر شعوبِ العالمِ " فخراً بماضيها "...

ومن جهةٍ ثانية، فإن ملايين المفتخرين بهذا الماضي يكادون أن يكونوا جميعاً من غير العالمين بألف باء هذا الماضي ناهيك عن العلم الواسع والعميق بسائر جوانبه ...

 

ومن جهةٍ ثالثة، فإن هناك "خلطاً دائماً" بين هذا الماضي والحاضر ...

 

أما كوننا من أكثرِ شعوبِ العالم فخراً بماضينا، فأمرٌ لا يحتاج للإثبات، إذ أن مطالعةَ جريدة ٍأو مجلةٍ أو مشاهدةِ أي برنامج تليفزيوني تنبئ بهذا القدر الهائل من الفخرِ بالماضي، فنحن في حالةِ تذكيرٍ مستمرةٍ للدنيا وللآخرين ولأنفسِنا بأن ماضينا أعظمُ وأمجدُ وأفخمُ من أي ماضٍ لأية أمةٍ أخرى .

 

ومن المؤكد، أن ماضينا "متميزٌ" و "خاصُ" ولكن من المؤكد، أن هذا الماضي يضم صفحات بيضاء كما أنه يضم أيضاً صفحاتٍ سوداء. والوقوف على الصفحاتِ البيضاءِ والسوداء في ماضينا من الأمور التي تستغرق أعماراً كاملة لأشخاص وقفوا أَنفسَهم على دراسةِ ذلك. وبالتالي، فإن حديثنا الذي لا يتوقف عن ماضينا يعيبه - من الناحية الموضوعية - أنه يفترض أن صفحاتِ هذا الماضي كانت كلها بيضاءً ناصعةً - وهذا غير صحيح. كذلك فإن ظاهرةَ التغني المستمر بالماضي تحتاجُ للتفكير والدراسة. فمن غير الطبيعي ألاَّ يكون هناك توازنٌ بين "الفخر بالماضي " و " الانشغال بصنع حاضر ومستقبل مجيدين". ولاشك أن هناك خللا في تفكيرنا في هذه المسألة إذ أن الانشغال بصنع الحاضر والمستقبل يعتبر متواضعاً إلى جانب الإنشغال بالتفاخر بالماضي .

 

كذلك فإن افتراضَنا (الضمني) أننا الوحيدون الذين يملكون ماضياً مجيداً هو الآخر أمرٌ مخالفٌ للواقعِ والثابتِ. فكما أن من حقنا أن نفخر بتاريخنا المصري القديم فإن أبناء اليونان وإيطاليا (أحفاد الإغريق والرومان) هم أيضاً أصحاب حضارة وماضٍ مجيد لا يحق لمن يحترم الحقائق التاريخية أن يستهين بهما .

 

وفى اعتقادي أن "فقرَ مكوناتِ الواقع" هو ما يدفعنا باستمرار للتغني والتفاخر بالماضي، كأننا نشعر أنه بدون ذلك الماضي فإن المعادلةَ ستكون مختلةً وفى غير صالحنا. والمنطقي، أن نفتخر بجوانب عديدة من ماضينا افتخاراً متزناً غير مشوبٍ بالحماسةِ الزائدة والتعصب وعدم إعطاء الآخرين حقوقهم، على أن يكون هناك "فخر متوازن" بمعطياتِ الحاضرِ ومكونات المستقبل .

 

وإذا كان العربُ هم الذين نحتوا المقولة الشهيرة والصائبة والتي تقول: (ليس الفتى من يقول كان أبى، وإنما الفتى من يقول هأَنذا) فإن الأمرَ هنا يكون بغيرِ حاجةٍ منى لمزيد من الشرحِ والتبيانِ .

 

ومن جهةٍ ثانيةٍ، فإن افتخارَ معظمنا بماضينا يعطى الإحساس بأننا نعلم الكثير عن هذا الماضي. والحقيقة أن السوادَ الأعظم منا لا يعرف أي شيء (إلا الشعارات العامة) عن ماضينا وتاريخنا. بل أنني أزعم أن الأغلبية العظمى من المتعلمين تعليماً عالياً بمجتمعنا لا يعرفون - مثلاً - أعلام الأسرة الثامنة عشرة في تاريخنا الفرعوني القديم ولا يعرفون -مثلاً- الترتيب الزمن لفراعنة عظماء أمثال سنوسرت وأحمس وتحتمس الثالث وسيتي الأول ورمسيس الثاني، رغم أن معرفة ذلك لا تعنى أي تضلع في تاريخنا القديم. بل وأزعم أن معظم المتعلمين تعليماً عالياً في مصر لا يعرفون الترتيب الزمني للعهود التالية: العصر الإخشيدي والأيوبي والطولوني والمملوكي في تاريخنا الوسيط. وأكرر، أن معرفة ذلك لا تسمح في حد ذاتها بالاعتقاد بوجود أي تضلعٍ في معرفةِ الموضوعِ محل الحديث، ولكن عدم المعرفة بها يعني الجهل التام بأبسط المعارف التاريخية وهو ما يجعل الافتخار الحماسي بهذا الماضي (ممن لا يعرفون أي شيء عنه) ظاهرةً عقليةً ونفسيةً تحتاجُ للدراسةِ والتحليلِ .

وتنطبق هذه الحقيقة (حقيقة جهل السواد الأعظم منا بمفردات وعناصر ماضينا) على تياراتٍ فكريةٍ بأكملِها. فما أكثر الذين يسمّون أنفسَهم بأنصار مصر الفرعونية وهم لا يعرفون ألف باء تاريخ هذه الحقبة. وما أكثر الذين يسمون أنفسهم بالإسلاميين وهم على غير علمٍ بمعظم التاريخ والتراث الذي لا يكتفون بالفخر به، بل ويضفون على عناصره من القداسة ما لا ينبغي أن يقدس لأن معظمه "عمل وفكر بشرى".

 

وأذكر هنا حواراً مع شابٍ متحمسٍ للتيارِ الذي يُسمي نفسه بالإسلامي وجدته يلحن (أي يخطي في تحريك الكلمات العربية) وهو يستشهد ببعض النصوص. أذكر أنني قلت له إن الفقهاء المسلمين الأوائل كانوا يعتبرون كل علم أصول الفقه عملاً بشرياً ولا أدل على ذلك من أمرين :

الأول، تعريف الفقهاء لعلم أصول الفقه بأنه "علم استنباط الأحكام العملية من أدلتها الشرعية" وهو تعريف عبقري ولكنه يثبت " بشرية" هذا العلم. والثاني، كلمة أول وأكبر الفقهاء أبى حنيفة النعمان الشائعة (علمُنا هذا رأي، فمن جاءنا بأفضلَ منه قبلنَاه). ثم ذكرت لذلك المتحمس لما يسمى بالتيار الإسلامي أن هؤلاء الفقهاء الأوائل قد وضعوا ستة شروط لأهلية الإفتاء، كان أولها العلم باللغة العربية علم العرب الأوائل. ثم قلت له، ونظراً لأنك (ومعظم زملائك في الحماس لما يُسمى بالتيار الإسلامي) تلحنون (أي تخطئون في اللغة العربية) فإنكم -وفق الشرط الأول من شروط الإفتاء- قد فقدتم أهلية إبداء الرأي في المسائل التي تتعرضون لها .

 

كل ذلك كان ضمن حديثي عن غرابةِ أن يفخر أناسٌ بماضٍ لا يعلمون عنه شيئاً يذكر. وهو ما يدل -مرة أخرى- على أننا أمام " ظاهرة عقلية ونفسية" لا علاقة لها -في الحقيقة - بالماضي الذي يتحمسون له .

 

وأخيراً، فإن الحياةَ المعاصرة في مجتمعنا تجعلنا نشاهد -يومياً - عروضاً متكررةً للخلطِ بين هذا الفخر المتحمس بالماضي وبين الفخر الآني أي الفخر بما نحن عليه الآن .

 

وهذه ظاهرة مفهومة، لأَننا نستشعر في أعماقنا تلك المفارقة المهولة بين "ماض مجيد" نفخر به وحاضر نبحث في جوانبه عن أسباب للفخر فلا نكاد نجد إلا أقل القليل؛ فمعظم إنجازات عصرنا المادية والفكرية من أعمالِ الآخرين .