الصراع العربي الإسرائيلي في مفترق طرق .


تتجلى عبقريةُ الرئيس الراحل أنور السادات الإستراتيچية في أَنه أَدركَ وهو يقف أمام خيارين لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي هما "خيار السلاح" و"خيار التفاوض" أن كل حساباتِ ميزانِ القوة كانت تُملي على العرب بعد أداءٍ حربي مُشرف في أكتوبر 1973 بأن ينتقلوا إلى إسلوب التفاوض . فبصرف النظر عن الحقوق والمبادئ , فإن ميزان القوة يقول أن أقصى ما يستطيعه إسلوبُ السلاح في مواجهةِ إسرائيل هو التكدير – أما الوصول لتسويةٍ أو حلٍ نهائي عن طريق السلاح فأمرٌ من رابعِ المستحيلات . أدرك الساداتُ ذلك وفي الوقت المناسب . واليوم وبعد ثلاثة عقودٍ ونصف العقد من الزمان من حرب أكتوبر 1973 تقومُ سوريا (كبيرة المناضلين وزعيمة مدرسة المقاومة) بالتفاوض مع إسرائيل (عبر قنواتٍ تركية) بعد أقل قليلاً من أربعين سنة من زعامتها لجبهة الصمود والتحدي ومدرسة المقاومة , وهي سنوات طويلة لم تُطلق فيها طلقة نارية واحدة من جانب سوريا تجاه إسرائيل. ورغم أن التأخر هائل , فإن إقدامَ سوريا على السير في الطريق الوحيدة التي بوسعها إعادة أراضيها لها هو أمر تُشكر(سوريا) عليه . ولكن لنغلق عيوننا ملياً ونتصور أن المفاوضاتِ السورية الإسرائيلية قد إكتملت وكُللت بالنجاحِ وتم التوقيع على إتفاقية سلام حصلت فيها سوريا على أراضيها المحتلة منذ واحد و أربعين سنة وحصلت فيها إسرائيل على ما ترجوه : قبول سوريا لها والسلام بينها وبين سوريا ثم التطبيع السياسي وخلافه . لنتصور أن ذلك قد حدث وأن سفارة سورية ترفع علم سوريا قد تأسست في تل أبيب , وأن سفارة إسرائيلية – في المقابل – قد إفتتحت في دمشق وأصبح علمُ إسرائيل – الأبيض والأزرق – يرفرف في سماءِ عاصمة ثقافة المقاومة : أليس ذلك هو غاية ونهاية الطريق الذي بدأت سوريا السير فيها مؤخراً من خلال الجسر التركي ؟ فإذا كان كذلك , وكانت المفاوضات السورية الإسرائيلية مُتعلقة بالطرفين فقط (أي الطرف السوري والطرف الإسرائيلي) فما معنى كل ماقيل ضد أنور السادات ومصر منذ ثلاثة عقود من الزمان ؟ ألا يعني ذلك أن العرب كانوا يجاهدون ضد طبيعتهم التي تعشق الوهم وتكره الحقيقة ؟ ... ألا يعني ذلك أنهم كانوا بحاجةٍ لستين سنة لإستيعاب كلمات إسماعيل باشا صدقي (رئيس وزراء مصري سابق ولد سنة 1875 وتوفى سنة 1950) في جلسة البرلمان المصري منذ ستةِ عقود والتي حذر فيها من السير في طريق الحل العسكري للنزاع العربي الإسرائيلي ؟ وإذا تكللت الجهود السورية الحالية بالنجاح : فماذا ستكونُ ردود فعل حزب الله الذي يأتيه السلاح الإيراني عبر الأراضي السورية ؟ وإذا أتت الأحداثُ بإنسحابِ إسرائيل من مزارع شبعة – وواكب ذلك وجود علم إسرائيلي فوق سفارات إسرائيل في مصر والأردن وسوريا ... فهل سيبقى حزبُ الله كدون كيشوط التاريخ العربي المعاصر ؟ أم أنه سيكون واضحاً وصريحاً في أن الهدف الأكبر له الآن هو الإستيلاء على لبنان (بصرف النظر عن مأساة أن يكون لبنان الرائع والمتعدد والمتحضر وصاحب التاريخ الفينيقي تحت إمرة رجل يرتدي العمامة) ؟؟

 

إن الثقافة العربية المعاصرة وتحت وطأة الضغوط التي يحدثها الشعورُ بالتخلف وعدم المشاركة في مسيرة التقدم العلمي والإنساني قد أفرزت ميلاً جارفاً لتمجيد الماضي (وإضفاء رقائق من المجد مبالغ فيها لأبعد درجة) مع شعور مبالغ فيه بالكبرياء والكرامة , وهو ما يبدو في الإستعمال المضحك المتكرر من قبل مثقفين إحفوريين لكلماتٍ مثل : العز والفخر والكرامة ؛ وأيضاً مثل كلماتٍ معاكسة كالخزي والعار والذل ؛ وهى كلمات مجردة أي أننا بصدد حديث عن الكرامة بلا منجزات وحديث عن العز لا تترجمة مفاخر حقيقية, كما أن ما يوصف بالذل هو ليس كذلك (فما هو الذل في صفقة تبادل عشرات اللبنانيين والفلسطينيين بقليل من الجثث الإسرائيلية ؟ ... ولماذا لا نرى الجانب الآخر للعملة (قيمة الإنسان الإسرائيلي حتى بعد موته عند حكوماته !!) . ولكنها غدد غرائزية تعمل في مناخ ثقافي عام كبار مثقفيه شديدو الضحالة يفكرون كأنصاف المتعلمين ويكررون آراءاً تصدر عن العامة ومن خرجوا للتو من فصول محو الأمية.

 

إن الوصول لإتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل ستكون محطة هامة في مسيرة (أو منام) العقل العربي إذ سيوقظ على حقائقٍ واضحة للغاية لم يكن قط مؤهلاً للقبولِ بوجودها ناهيك عن التعامل الذكي مع معطياتها .

 

إنني أكتب ما أكتبه في هذا المقال رغم شكي العارم في إستعداد إسرائيل ذاتها لسلامٍ حقيقي مع جيرانها أو بالأحرى شكي الكبير في معقولية الثمن الذي تطلبه إسرائيل . ففي إسرائيل يمين لا يريدُ أن يسمع كلمة عن أي تسوية بين إسرائيل وجيرانها . وفي إسرائيل وسط كبير (بين اليمين واليسار) تحرك خلال السنوات العشرين الأخيرة من نقطةِ الوسط بين اليمين واليسار إلى مسافةٍ أشد قرباً من اليمين . وبصرف النظر عن العناصر والعوامل التي أدت بالوسط الإسرائيلي (أي الكتلة الكبيرة التي بين اليمين الصرف واليسار البحت) للتحرك صوب اليمين ، فإنها حقيقةُ أراها وألمسها أنا الذي يزعم أنه يعرف إسرائيل جيداً . وهذه الصورة تتضمن مأساةً كبيرة . فإسرائيل ذات الأجهزة الأمنية الماهرة لا ترى أنها تساهم (كل يوم) في خلق وتقوية عدو المجتمعات المدنية الأول والمتمثل في الأصولية الإسلامية السنية ومعها الآن الأصولية السنية الشيعية . عندما إتُخِذَ قرار إسرائيلي منذ أكثر قليلاً من عقدين من الزمان بأن يعطي الضوء الأحمر للإخوان المسلمين فرع غزة (وهو الكيان الذي أصبح إسمه بعد ذلك "حماس") فإن إسرائيل كانت تكرر أحد أكبر مظاهر الغباء الإستراتي چ ي في التاريخ المعاصر والتي سبقته فيه الولايات المتحدة الأمريكية (بمعاونة سعودية) في أفغانستان كما سبقها فيه الرئيس السادات عقب وصولهِ للحكم في خريفِ سنة 1970 وطاوع رجلين قريبين للغاية منه هما ع.أ.ع (مقاول مصري كانت شركته في مصر وفرعها في السعودية جراچ الإسلاميين الأكبر لسنوات عديدة) وصديقه غير المصري ك.أ (رئيس مخابرات دولة ترابستان وشقيق والدة الأمير ت.أ الذي تولى رئاسة مخابرات ترابستان بعد خالهِ , وهو صاحب براءة إختراع المجاهدين العرب الأفغان بالمشاركةِ مع المخابرات المركزية الأمريكية) .

 

وأختمُ هذا المقال بالملاحظة التالية : منذ أسابيع كنت أُلقي محاضرةً بأحد أهم مراكز البحوث اليمينية المحافظة في العاصمة الأمريكية واشنطن وهو مركز بحوث يتكلم فيه كثيراً رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية للتدليل على قرب صلتهم باليمين الأمريكي القوي . بعد المحاضرة سألني أحد الحضور السؤال التالي : فلان وفلان وفلان وغيرهم (وذكر خمسةِ أسماء) كانوا رؤساء الموساد الإسرائيلي وكانوا يتماهون مع فكر اليمين الإسرائيلي لحدٍ كبير ... ولكنهم جميعاً بعد تركهم لمواقعهم الهامة في الموساد أصبحوا نشطاء فاعلين في حركاتِ السلام وربما يكون أبرز هؤلاء دي ? يد قمحي, نجم الموساد ورجلها الثاني لسنواتٍ عديدة . فبما تفسر هذه الظاهرة ؟ وكان جوابي كالتالي : إن الإعتبارات السياسية والإنتخابية في إسرائيل تعملُ ضد سيناريو الحل السياسي النهائي للصراع العربي الإسرائيلي, أما الإعتبارات الإستراتي چ ية فإنها تحض على الحل السياسي في أسرع وقت لهذا الصراع. وبينما يكون المسئول الإسرائيلي محكوماً بالإعتبارات السياسية والإدارية , فإن إحتمال ميله لعدم الحل أو إرجاء الحل أو تصعيب الحل يكون هو الإحتمال الأقوى ... ولكنه ما أن يتخلى عن الإعتبارات السياسية والوظيفية والإدارية حتى يكون أمام الحقيقة الواضحة (أو التي يجب أن تكون واضحة) وهي أنه لا يوجد حل عسكري أو حربي للنزاع العربي الإسرائيلي وإنما هناك إحتمالات حل تصل إليه الأطراف بالتفاوضِ والأساليب السياسية والدبلوماسية .