دانــاتٌ . ..

(تسعون مقال قصير جداً) .


2008

مـقـدمـة 

إلى جانب مقالاتي المطولة (ما بين 1000 و3000 كلمة لكل مقال) فقد كتبتُ خلال السنة من صيف 2007 إلى صيف 2008 عشرات المقالات القصيرة جداً . ومعظم هذه المقالات لا تتجاوز كلمات كلٌ منها 100 كلمة. وقد نشرت هذه المقالات في صحف قاهرية مثل الأهرام والمصري اليوم ووطني . ويعتمد هذا الشكل من الكتابة (المقال القصير جداً) على التركيز الواضح على فكرة محورية أساسية . وإسم دانات يعني لغةً أحد أمرين : فالدانات إما أن تكون هى طلقات المدافع وإما أن تكون هى حبات اللؤلؤ الكبيرة .

 

طارق حجي .

 

 

الدانة (1)

إلى حسن نصر الله : إذا كُنتَ تؤمن بأحقيتك أن تُعلنَ حرباً على دولةٍ مجاورة دون إستشارةِ مجلس النواب أو رئيس الدولة أو الحكومة ... وإذا كُنتَ تؤمن بحقك أن تكونَ لديك قوةً مسلحة غير الجيش النظامي للدولة ، فمن الطبيعي أن تؤمن بممارسة السياسة خارج الأُطر الشرعيـة ... فأنت (ذهنياً) من زمن الطوائف لا من زمن الدولة الحديثة .


الدانة (2)

إلى ميشيل عون : في منزلك الباريسي قلتَ لي (وبحضور الصحافي اللُبناني بيير عقل) يوم 4 أبريل 2005 أن أكبر المخاطر التي تُحيط بلُبنان هى سوريا وميليشيات حزب الله والنفوذ الإيراني ... وهؤلاء الثلاثة هُم اليوم أضلاع حِلفك الجديد ... فأىُ شرفٍ هذا الذي يتكرر إسمهُ في خُطَبِكَ ؟

 

الدانة (3) 

إلى رئيس وزراء قطر : السيد / حمد ... على مائدةِ عشاءٍ صغيرةٍ (حضرها أقلُ من عشرةِ أشخاصٍ) بخيمةٍ بقصر الواجبة بالدوحة وبحضور أميرِ قطر وزوجتهِ سمعتُ آراءك عن إسرائيل وعـلمتُ – منك - بخبرِ زياراتك المتعددة لها . ويعلم الكافةُ أن أكبرَ قاعدةٍ أمريكية خارج الولايات المتحدة هى على تُرابِ قطر . فقل لي ما معنى أن تعاير قناة المريرة (الجزيرة) البعضَ في حواراتِها إما بأنهم من أنصار التطبيع مع إسرائيل أو أنهم يسعون لإقامةِ قاعدةٍ أمريكية على التُرابِ اللُبناني؟ ماذا تُسـمي هذا؟ سياسـة؟ ... إزدواجيـة؟ ... تخبُط؟ ... مراهقة سياسية؟ ... تخريب؟ ... أم أن الأمر لا يعدو أننا إزاء طفل يلعبُ بإمكانياتٍ لا حد لها؟

 

الدانة (4)

إلى محمود عباس (أبي مازن) : في عشراتِ المؤتمراتِ الدوليةِ كُنتُ أسمعُ مُحاضرين إسرائيليين يتحدثون عن محدوديةِ قُدراتكَ القيادية . وكُنتُ أُدافعُ عنك إعتقاداً مني بأن رؤيتكَ السياسية هى أفضلَ المُتاح. ولكنني في الشهور الأخيرة أصبحتُ أكثر ميلاً للإعتقاد بأن اللحظة المُناسبة للتصرف (كما يتصرف القادةُ الحاسمون) وتقوم بعزل الحكومة وحل البرلمان قد فاتتك . وكانت مبرراتي هى أن حكومة إسماعيل هنية – على خلاف كلِ الحكوماتِ في العالمِ المتحضرِ لا تُريد الإلتزام بكل ما تمَ توقيعهُ قبل قدومها للسلطة . والزمن يا سيدي من عناصر القرار الصائب ... وقد كان من الواجب إتخاذ هذا القرار منذ قُرابةِ السنة . أما الآن ، فتنفيذ القرار أشد صعوبة (ولكنهُ يظل القرار الأحكم) . فخلال سنة ونصف تغلغل غولُ الفوضى في المُجتمع الفلسطيني بوجهٍ عام وفي غزة بوجهٍ خاص . وزاد من تعقد الأمور "إتفاق الطوائف القرون أوسطي" الذي تم بمكة دون أيةِ مراعاةٍ لأسباب الخلاف . ومن الطبيعي أن يحدث ذلك إذا كان جميعُ الأطراف حديثي عهد بنظام الدولة الحديثة ولازالوا يعيشون (ذهنياً) في ظِل حقبةِ القبائل والطوائف ويتصالحون "صُلح عرب" . على كُلٍ لقد إتخذتَ وأصدرتَ منذ أيام قراراً حكيماً ونصيحتي هى ألاّ تسمح لبعض الدول العربية (وبالذات السعودية وقطر وسوريا) لكي يجعلوا قرارك يفقد قيمتهُ بأشكال جديدة من جلسات "صُلح العرب" .

 

الدانة (5)

إلى كُل المصريين : أعلنتْ جماعةٌ إسلاميةٌ متشددةٌ في الأراضي الفلسطينية أنها ستقطع رؤوس مُذيعات التليفزيزن الفلسطيني إذا لم يقُمن بإرتداءِ الحِجاب . ومنذُ شهر وعصابة بإسم "فتح الإسلام" تقتلُ شباب الجيش اللُبناني (من مسيحيين ومُسلمين) ... وفي مدينة سامِراء فَجّر متشددون سُنيون مسجد إثنين من أئمة الشيعة الإمامية (كُبرى الطوائف الشيعية) ... وبمحاذاةِ ذلك وفي نفس الإسبوع قتلَ مسلحون تابعون لحماس في غزة عشرات من إخوانهم الفلسطينيين . كان ذلك (وخلال إسبوعٍ واحد) مثالاً لما يُمكن أن يُقتَرف بإسم الديـن ... فهل نتعظ ونُرجع الدين كما كان في تاريخنا المصري "شأنـاً شخصيـاً بحتـاً"؟... بل ونلغي الإشارة إليه من البطاقة الشخصية ... أما إدارةُ الدولةِ والمُجتمعِ والحياةِ فتكونُ بأمرين لا ثالث لهما : "العلم والإدارة" وأن نتوقف عن طلبِ رأي رجالِ الدين (وليس عُلماء الدين) إلا في المسائلِ الدينية إذ أنهم لا شأن لهم بأمورٍ مثل فوائد البنوك ونقل الأعضاء وتشريع الإقراض لبناء البيوت وعشرات غيرها ممن هم غير مؤهلين البته لمجردِ الكلام بشأنهِ .

 

الدانة (6) 

قال صديقٌ مصريٌّ لصديقٍ فلسطيني : كُلما شاهدت تجمعاً فلسطينياً ذا مظهرٍ عصري وبهِ نساء مشاركات (غالباً غير مُحجبات) أكتشفُ أن التجمع كان في الضفة الغربية . وكلما شاهدتُ تجمعاً معظم المشاركين فيه رجال من أصحاب اللحى ولا تشارك فيه سيدة واحدة، أكتشفُ أن هذا التجمع كان في غزة . ما هو تفسيرك لهذه الظاهرة ؟ جاء ردُ الصديق الفلسطيني مدوياً : تفسيري أن الضفة الغربية لم تكن تحت الوصاية المصرية . أما غزة فكانت (إعتباراً من 1948 ولقرابة عشرين سنة) تحت الوصاية المصرية ... وفيها أسس الإخوان ما كان يُسمى في البداية بالإخوان المسلميـن – فـرع غـزة ... ثم تحول الإسم منذُ عشرين سنة إلى "حماس" ! ... بإختصار : لقد صّدرت "مصرُ" لنا "الإخوانَ" ثم تسببت في فقداننا للقدس الشرقية عندما تسببت في حرب 1967 التي كانت القدس الشرقية قبلها "عربية"!!

صمت الصديق الفلسطيني برهة ثم تمتم بكلمة واحدة : "شُكراً" !

 

الدانة (7)

أعلن أحدُ رجال "حماس" بعد سقوط أهم معاقل "فتح" في غزة أن سقوط هذا المبنى يماثل "فتح مكة" منذ 14 قرناً !! ... مرة أخرى أناشد الدكتور / أحمد عكاشة وكل أطباء الأمراض العقلية والنفسية "سرعة التدخل" وأن يسبق ذلك شراء عدد كافٍ من قمصان الأكتاف البيضاء!!

 

الدانة (8)

يدعو "البعض" لإقامة دولة الخلافة . وهى أخبار سيئة للخُلفاء القادمين !! ... إذ أن ثلاثة من الخُلفاء الراشدين (عُمر وعُثمان وعلي) قد قُتِلوا !! أما مؤسس الدولة العباسية ، فإسمه "السفاح" ! وأما هارون الرشيد ، فقد ترك ولدين للخلافة من بعده ، وقد قتل أحدهـما الآخـر (!) . وخلال القرون المتتالية ، فإن الخلفاء الذين كانوا على شاكلة السلطان العثماني "عبد المجيد" أكثر بكثير ممن كانوا على شاكلة عُمر بن الخطاب .

 

الدانة (9) 

في سنة 2004 وقعت محاولة إغتيال الوزير اللبناني "مروان حمادة". ومنذ أيام تم إغتيال النائب اللبناني "وليد عيدو" ... وبين التاريخين ، جرت عمليات إغتيال (أو محاولة إغتيال) رفيق الحريري وباسم فليمان وإلياس المر وسمير قصير وخليل حاوي وميَّ شدياق وجبران تويني وبيار الجميل ... وكل هؤلاء من مجموعة 14 آذار (مارس) المناهضة لنفوذ سوريا في لبنان ... أما الجبهة المقابلة (مجموعة 8 آذار (مارس) المؤيدة لسوريا والمؤيَدة من سوريا) فلم تحدث محاولة واحدة لإغتيال أحد أفرادها . وسيكون ذلك "مجرد صدفة" إذا سقطت على الأرض حروف الأبجدية (حرف حرف) ومع ذلك فإن الحروف عندما سقطت على الأرض كونت قصيدة شعرية بديعة على بحر من بحور الشعر !!

 

الدانة (10)

الرئيس مبارك رجُل صادق . وقد نفى مرات ومرات ومرات أن يكون يُعد إبنه الأصغر لتولي رئاسة مصر من بعده . وأثناء إحدى زياراته للعاصمة الأمريكية واشنطون وفي مؤتمر صحفي في قصر بلير قال الرئيس مبارك بالحرف : "إن إبني جمال لن يكون الرئيس القادم لمصر" ... وهذا كلامٌ محددٌ وواضحٌ ، فلماذا الإنشغال بهذا الأمر لتلك الدرجة التي تشبه "السعار" !! لماذا لا يتوقف الكلُ عن الحديثِ في هذا الأمر الذي لا يتبناه أي أحـد؟!! . إنني أدعو كل المُنشغلين بالحديث عن هذا الموضوع للصمت ... وأؤكد لهم أن الصمت "أكثر فائدة" ! ... هل تفهمون ؟!

 

الدانة (11)

وقف "سيادتهُ" في حفلِ تخرج مجموعةٍ جديدةٍ من طلابِ الجامعة ليُلقي كلمةَ الحفل . كانت كلمتُه طويلةً ومملةً وخاليةً من أي تشويقٍ وبلغةٍ رتيبةٍ دلّت على أن صاحبَنا لا علاقة له بمنابرِ الخطابةِ . ولكن الجديد ، كان أن سيادته تكلم أكثر من نصف الوقت عن نفسهِ وتكلم لأقل قليلاً من نصف الوقت للطلاب مُهدياً لهم نصيحة وحيدة هى ألاّ يسمعوا أيةَ نصيحةٍ من أي أحد ! ... المفاجأة الكبرى (لي) كانت لغته الإنجليزية الركيكة . مَن إذن الذي كتب لسيادته ما نُشر له بالإنجليزية . فضيحة ، بكل ما تعنيه الكلمةُ . حتى درجة إتقان اللغات الأجنبية "تزور" ؟؟ . بعد إنتهاء كلمتهِ التي لم يرتجلها وإنما قرأها قال لي أُستاذ بريطاني بهذه الجامعة : "لقد أثبت صاحبنا اليوم أن الذين يجيدون أية لغة هُم فقط الذين يرتجلون بها... أما القراءة من أوراقٍ أُعِدَت سلفاً فلا تدل على أي شيء".

 

الدانة (12) 

كان حواراً محتدماً حول الإسلاميين ومبدأ تداول السلطة الذي بدونه لا تكون هناك ديموقراطية . الأغلبية كانت تردد مبررات إيمانها بأنه لا يمكن أن يؤمن من يخلط الدين بالسياسة بتداول السلطة ، أما الأقلية فكانت تردد ما مؤداه "التجربة فقط هى القـادرة علـى الحكـم !!" ... وقد أنهى الحوارَ شخصٌ كان صامتاً طوال الوقت عندما قال : (إذا كانت التجربة هى مناط الحُكم ، وهذا ما أعتقده ، فإن الأمر منته ! وشكراً لحماس ، فقد أثبتت لنا منذ أيام أن الذين يخلطون الدين بالسياسة لا يمكن أن يتركوا الحكم وستكون لديهم في كل الحالات مبررات البقاء في الحُكم قسراً ... وأكبر تلك المبررات أن "الله معهم" كما يتصورون ! ... الحقيقة أن الذين يؤمنون بأن الأحزاب الدينية في المنطقةِ العربية لا تؤمنُ إيماناً حقيقياً بالديموقراطية يجب أن يكونوا اليوم في قمة الإمتنان لحركةِ حماس ، فقد أثبتت أنهم على حق وأن وجهة النظر الأخرى باطلة كُليةً .

 

الدانة (13)

الأستاذ الكبير "مُحمد" : أنت لا تُحب الدول التي "تطبع" مع إسرائيل، وعلى تُراب قطر "سفارة إسرائيلية" بإسم "مكتب المصالح الإسرائيليـة" ... وأنت لا تُحب الدول التي تسمح بوجود قواعد أمريكية على أرضها ، وعلى تُراب قطر أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج الولايـات المُتحـدة ... وأنت (حسبما سمعتهُ منك) تُسمي خلط السياسة بالدين "تهريج" (وأنت في هذا على حق) ... ولكن على تُراب قطر مراكز أساسية لخلط الدين بالسياسة : فهُناك الإخوان الذين فروا من مصر سنة 1954 وعلى رأسهم القرضاوي وهُناك أهم مكتب (خارج سوريا وغزة) لحماس ... فهل أنت تقبل من قطر ما لا تقبله من مصر (سفارة إسرائيلية وقاعدة عسكرية أمريكية) ؟ أم أنك صرّحت لأميرِ قطر برأيك في هذه "الأفعال المشينة" من وجهة نظرك ؟ . وإذا كان ذلك كذلك ، فلماذا لم تكتُب عن رفضك لوجود قاعدة أمريكية وسفارة إسرائيلية على تُراب قطر؟ أم أن دستور الجزيرة (والذي ينص على عدم تناول أي شأن قطري) ينطبق عليك أيضاً ؟

 

الدانة (14)

كم كان مظهر الحكومة الفلسطينية الجديدة يوم الأحد 17 يونيو 2007 مُتحضراً وهو يضُم سيدتين في مظهر عصري مُتحضر كوزيرتين وأتركُ تفسير "المظهر العصري المُتحضر" لفطنة القاريء.

 

الدانة (15)

الإمام أبو حنيفة النُعمان هو المُلَقَب بالإمام الأعظم . وهو أول الفُقهاء الأربعة الكبار خارج المذاهب الشيعية ومذاهب الخوارج الأربعة . وحسب الإمام أبي حنيفة فإنهُ يجوزَ للمُسلِم أن يرفُض تأسيس الأحكام على الأحاديث المعروفةِ بأخبارِ الآحاد . ولمّا كان غير أخبار الآحاد من الأحاديث (أي الأحاديث المتواترة والأحاديث المشهورة) تقل عن مائةِ حديثٍ مُقابل آلاف الأحاديث التي هى من قبيل "أخبار الآحاد" ، فإنني أتعجبُ من الهجوم (الذي تُشارك فيه الدولة) على جماعة القُرآنيين التي لا تقبل إعتبار الأحاديث النبوية من مصادر الفقه الإسلامي ، نظراً لإعتقاد القُرآنيين أن السواد الأعظم من الأحاديث قد وضِعَت بدوافع سياسية إبان حِقبةِ الدولة الأُموية والحِقبةِ الأولى من عُمرِ الدولة العباسية. ويُشكك القُرآنيون في صوابية الأحاديث التي جمعها رجالٌ مثل البُخاري ومُسلِم بعد ثلاثةِ قرون من آخر يومٍ من أيام البعثة المُحمدية . ولا أعرف ما هو الأساس العقلي لمُعاملة القُرآنيين وكأنهُم كُفار أو ذنادقة ؟ لقد إعتمد أبو حنيفة (أول الفُقهاءِ الأربعةِ الكِبار) أقل بكثيرٍ من مائةِ حديث . أما رابع الفُقهاءِ الأربعةِ الكِبار (أحمد بن حنبل) فقد إعتمد آلاف عدة من الأحاديث التي جمعها في كتابهِ "المُسنَد" . ومع ذلك ، فإن الذي إعتمد آلاف الأحاديث لم يتهم الذي إعتمد عشرات الأحاديث بالكُفر والذندقة . وأنا لا أعرف لماذا لا ننظُر إليهم كمدرسة فقهية لها ما لها وعليها ما عليها . وكيف يستقيمُ المنطقُ الذي يترُك الحُكم على هؤلاء لفُقهاء من عينةِ أصحاب الفضيلة القائلين ببركة الفضلات ؟!

 

الدانة (16)

رُبما يكون من المفيد أن أُذّكر القُراء هُنا أنه في مواجهة "البنك الأهلي المصري" والذي كان يُمثل المصالح الأجنبية في مصر ، فإن مُسلماً (هو طلعت حرب) وثلاثة يهود (هُم سوارس، يوسف قطاوي وشيكوريل) قد إتجهوا (منذُ قُرابة تسعين سنة) لتأسيس بنك وطني (هو بنك مصر) يُمَثِل المصالح المصرية العُليا. وأدعو من يشاء لمُطالعة كتاب الأُستاذ الكبير فتحي رضوان الرائع عن طلعت حرب بعنوان (درس في العظمة) .

 

الدانة (17)

تُرى ألم يكُن من الأنفع للحزبِ الوطني وحكومته عدم إضعاف أحزاب المعارضة الشرعية بل والسماح بتقويتها وتألُقها عوضاً عما فعلته الحكومةُ عندما همَّشَت وأضعفَت أحزابَ المُعارضة الشرعية وتركت نفسها وتركتنا أمامِ وحشٍ حقيقي ؟ أليس هذا مما يوصف بالإنجليزية بأنه كالشخصِ الذي أَطلقَ الرصاصَ على قدمهِ ؟ ... أوليس هذا تطبيقاً للقول المأثور بأن رجلاً أراد عقاب زوجته فقطع أنفه ! ...

الدانة (18)

يقول نيقولو ميكيافيللي في مُطارحاته أنه قال للأمير (وهو ينصحه) : تنبه ! إن كل من يمدحك يرى نفسَه أشدَ ذكاءً منك بل ويستغبيك ! ويقصُد ميكيافيللي أنه ما من أحد يمدح شخصاً في موقعِ سُلطة إلا وهو يرى نفسه أشد ذكاءً من الممدوح ؛ وأنه المُخادع وأن الممدوح هو المخدوع .

 

الدانة (19)

مطلوب من كل مصري مُحِب لبلده أن يتأمل في تجربة حماس ليعرف أن هذا الفصيل ليس بقادر إلا على التخريب والرجوع بالمُجتمعات للقرون الوسطى . فإذا كان التقدُم يحتاج لقيادات تتسم بالكفاءة ، فمن أين ستأتي كفاءة أمثال قيادات حماس الذين نسمعهم يتكلمون فنبكي على سوء حظ شعوبنا ! ... وفى لبنان ، يقوم نفس الفصيل بتخريب أجمل البلدان العربية ... ومع ذلك لا يزال بعضنا (مثل سعد الدين إبراهيم) يُخادع نفسه ويُخادع قُراءه بأوهام وأحلام المُدَرسين الذين لا يعرفون عن الحياة إلا أقل القليل !

 

الدانة (20)

عجزت عن فهمِ صمتِ الحكومةِ المُطبق تجاه المُخَرِب الذي أصدر كتاباً يُسيء لأقباط مصر إساءة دنيئة وممجوجة . فإذا به يطل علينا من جديد (من خلال صحيفة قومية يومية) ، وإذا به يعود للعبة الظلامية التي يهواها وهى تأثيم وتجريم بعض الكُتب . وهو لا يفعل ذلك من "بيته" وإنما من خلال مؤسسة من مؤسسات الدولة . ما هو التفسير إلا إنعدام أو ضحالة الرؤية السياسية والثقافية .

 

الدانة (21)

منذُ أربعين سنةٍ وبالتحديدِ ليلة 4 يونيو 1967 كان شِعارُ القيادةِ المصريةِ هو "إستعادة فلسطين" . وبعد أقل من إسبوعٍ واحدٍ ، كان الشعارُ قد أصبح "إزالة آثار العـدوان" . والفارقُ بين الشِعارين هائلٌ وكبيرٌ وله معاني جَد مختلفة . ومع ذلك ، فإن البعضَ لا يزال يتكلم بلغة تُعَبِر عن الشِعار الذي أسقطه مُعَلمُهم وقائدُهم الرمز .

 

الدانة (22)

من أهم "قيم التقدم" الإيمان بالتعدُدية وإحترام الإختلاف وتنشيط وتفعيل العقل النقدي وإشاعة مناخ ثقافي عام يقبل النقد وإنتقال المجتمع من الشخصنة للموضوعية والإيمان (المُتَرجِم للواقع) بعالمية المعرفة والعلوم الطبيعية والإجتماعية والإيمان بفعاليات علوم الإدارة الحديثة والإهتمام بالإنسان (الموارد البشرية) كأهم أصول أي مجتمع من المجتمعات... والسؤال الأهم: إلى أي حد تغرس مؤسساتنا وبرامجنا التعليمية هذه القيم في عقول وقلوب ونفوس وضمائر أبناء وبنات مُجتمعنا ؟ ... ظني أنها لا تفعل ، أو أنها تفعل القليل غير المؤثر .

 

الدانة (23)

في سنة 2006 صدَر كتابي (الإدارة في الواقع العربي) الذي نشرته جامعة الدول العربية. وقد حاول الكتاب أن يثبت (في 200 صفحة) وجهة نظري التالية : (هناك شعوب "تحكُم" ، وهناك شعوب "تُدار" – من الإدارة - . ولا يوجد دليل واحد على أن معظم المُجتمعات العربية "تُدار" وفق مفاهيم وتقنيات علوم الإدارة الحديثة . ولكن هُناك "ألف دليل" على أنها "تحكُم").

الدانة (24)

ما هى نقطة البداية في العلاج : الحُكام أم الناس ؟ وإذا كان الطرفان قد تبادلا (في جدلية عجيبة) المثالب والعيوب والسلبيات والنقائص ، فمن أية نقطة يبدأ الإصلاح ؟ ...

 

ادانة (25)

للمرة الثانية : مُحاكمة المدنين أمام القضاء العسكري أمر لا يجوز السماح بتمريره ... وعلى مجلس حقوق الإنسان وعلى المُثقفين ، وعلى مُنظمات المُجتمع المدني إحداث الجلبة اللازمة لإيقاف هذه المهزلة .

 

الدانة (26)

للمرة الثانية : مبدأ وكيفية بيع بنك القاهرة لابد وأن يكون محل حوار غير متعجل بين الخُبراء المصريين أصحاب الخبرة الدولية ثم تعرض خلاصة الحوار على الرأي العام حتى لا يتكرر "صمت توشكى المريب" .

 

الدانة (27)

متى تصبح بطاقة الهوية المصرية (مثل بطاقات الهوية في كل المجتمعات المتحضرة والراقية) بدون خانةِ الديانة ؟

 

الدانة (28)

كان أُستاذنا "السنهوري" (واضع المدونة المدنية المصرية الحالية) يقول أنه وإن كانت المدونة (المصرية) تستقي الكثير من موادها من القانون المدني الفرنسي (مدونة نابليون) ، فإنه كان يجزم بخلوها من أي تعارض مع الشريعة الإسلامية . فهل السنهوري (أكبر علاّمة قانوني في منطقتنا خلال القرنين الأخيرين) على خطأ والشيخ حنظلة بن جهم الجيهـمي علـى صواب (؟!) .

 

الدانة (29)

لن نبرأ من عللِ مُناخنا الثقافي العام إلاَّ بالمزيد من الترجمات عن سائر اللغات . وكما أن المُسلمين لم يُصبح لهم شأن فكري وثقافي وعلمي إلا على أساس الترجمات العديدة التي تمت في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين (وفي مُقدمتها ترجمات أعمال عديدة لأرسطو وتعليقات عمالقة مثل إبن رُشد عليها) فإننا لن نخرُج من مناخ الخُرافة والمحلية الحالي إلا بتعظيم حركة الترجمة . ومن حُسن الحظ (لمُجتمعنا) أن توضع تلك "المُهمة التاريخية" في يد رجُل مثل الدكتور / جابر عصفور بمحصوله المعرفي العارم ورؤيته الإنسانية الصافية وتوجُهاته الحضارية الراقية . أمامي عشرات الترجمات الفذة التي أشرف عليها هذا الرجل التنويري العظيم ، ومن بينها ثلاثة أعمال صعبة لتشارلز داروين (ترجمها بإبداع الدكتور / مجدي المليجي أُستاذ الطب) ... وأمامي أيضاً عمل فذ من كلاسيكيات الدراسات اليهودية (نقد العهد القديم لشازار زالمان) وعشرات العناوين ... وليس عندي أمل في أن نكسر شرنقة المحلية القرون-أوسطية المُتشحة برقائق سميكة من الخُرافة والتخلف إلاَّ بحركة ترجمة واسعة تجعل أبناء وبنات مجتمعنا ينصرفون عن كُتب هى الهوان المُجسِداً لنا ولعقلنا: وهى جل الكُتب المعروضة للبيع وداخلها ذهنية البداوة والظلام والإنغلاق ومُعاداة الإنسانية .

 

الدانة (30)

- هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

(قرآن كريم) .

- عجزت عن المديح فقُلت أهجو

كأنك عجزت عن الهجاء .

(المتنبي) .

- أن الكمال لأهل النقص تعيير .

(العقاد) .

- ويوجد بيننا أمدٌ قصي

فأموا سمتَهم وأممت سمتي .

(المعري) .

الدانة (31)

في سنة 2003 صدر لي في ولاية أوريجون الأمريكية كتاب بالإنجليزية بعنوان (الثقافات والحضارات الإنسانية) صدّرته بكلمات الملك داوود الواردة في المزمور الثاني عشر وهى: (عند إرتفاع "الأرذال" بين الناس ، "الأشرار" يتمشون في كل ناحيةٍ) . وكأن الملك داوود كان يعيش بيننا اليوم .

 

الدانة (32) 

كانت مُحاكمة سعد الدين إبراهيم سقطة سياسية كُبرى فاقتها في السقوط مُحاكمة أيمن نور وتفوقت عليهما سقطةٌ أكبر تمثلت في مُحاكمة مدنيين (بعض الإخوان) أمام محكمة عسكرية... ثم جاء التحقيق مع رئيس تحرير الدستور إبراهيم عيسى بتُهمة ترويج شائعات وأخبار كاذبة للتفوق على كل السقطات السابقة ... وهذه السقطات ليست قضائية أو تنفيذية بقدرِ كونها "سقطات سياسية" .

 

الدانة (33)

كتبتُ في مقالٍ سابقٍ عن "سقطات سياسية" رأيناها في واقعنا مؤخراً. ولم أكُن أعلم أن السقطات السياسية ستعقبها "وهدة كبرى" تُثبِت أن مساحة الحُريات في واقعنا أشد ضيقاً من كل ما ظننا . وكُلي يقين أن أصحاب فكرة توجيه ضربة قاسية للفرسان الأربعة سيعضون قريباً على أيديهم من فرط الندم !

 

الدانة (34)

مطالبُنا السياسية مُتعددةٌ ومُتنوعةٌ . البعضُ يختزل مطالبه في كلمةِ "الديموقراطية" والبعضُ يُركزها في "الإصلاح السياسي والإقتصادي" وآخرون يتحدثون عن "المُحاسبة" وغيرهم عن "الشفافية" ومجموعة أخرى تتكلم عن "مُحاربة الفساد" والبعض يتحدث عن "ثورة إصلاحية في مجالِ الخطاب الديني" الذي تأسن خلال قرون وعقود الركود والجمود حتى وصل إلى بركته الآسنة الراهنة ... وآخرون يتحدثون عن "حقوق الإنسان" وغيرهم عن "حقوق المرأة" والحقيقة أن فكرة "المُطالبة" هى فكرة عبثية عند أي إنسانٍ ذي حسٍ تاريخي . فالحقوقُ تُكتَسَب وتُنتَزَع ولا تُعطى . ومن سمات الطُغاة بالغة الوضوح تَحَدُثهم الدائم عن أنهم "مانحوا المزايا لشعوبهم" . وتاريخُنا الحديث عامرٌ بالأمثلةِ على تلك الروحِ التفضُلية المانحة. وفي إعتقادي الخاص أن كل تلك المطالب المتنوعة والمتعددة يُمكن أن تتحقق إذا أنجزنا أمراً واحداً هو إجبار غير الموافقين على أن تكون رئاسة الدولة لفترة رئاسية واحدة لمدة سبع سنوات أو لفترتين لا أكثر بعدد إجمالي من السنوات لا يزيد عن عشر سنوات . إذا تحقق لنا ذلك فكل المطالب الأخرى سوف تُلَبَى . فالذين يعلمون أنهُم راحلون عن مناصب الحُكم هُم الذين يُمكن أن نُحقق معهم المطالب الأخرى أما الذين عقدوا العزم على إستمرار طغيانهم فإنهم من المُحال أن يوافقوا على تحديد حد أقصى لمكوثهم في الحُكم . وأول من يعرف ذلك هو "الطغاة" أنفسهم

 

الدانة (35)

 

متى نُبادر بإلغاء خانة الديانة من كافة الأوراق الرسمية بما في ذلك بطاقة الهوية ، فنقطع بذلك الطريق على عشرات المُشكلات التي لازلنا مشلولين أمامها منذُ سنوات مُكَلَلين بالعجز الكُلي .

 

الدانة (36)

يقول "جان بول سارتر" (وما أروعه من قائلٍ) أنه لا يوجد شيء إسمه المُستَقبَل ، فالمُستَقبَل هو ما نصنعه في مطبخ اليوم . ويقول ذات العبقري – سارتر – أنه لا يليق بالمُثقف إلاَّ أن يكون "ناقداً" .

 

الدانة (37)

أكتُب هذه "الدانة" والإحصائيات أمام عينيَّ تفصح عن رسالة يرفض الدراويش المرضى بنستالجيا تقديس ماضٍ من صُنع أوهامهم التسليم بوجودها وفرط وضوحها . اليوم وتعداد المصريين يقترب من الثمانين مليوناً ، فإن عدد جرائم إغتصاب النساء تُقَدَر بنحو عشرين ألف حالة سنوياً . عندما كان عددنا نصف عددنا اليوم (أي أربعين مليوناً) لم يكُن عدد جرائم إغتصاب النساء هو عشرة آلاف جريمة سنوياً كما قد يظُن البعض وإنما أقل من ثلاثة آلاف جريمة إغتصاب سنوياً . أي ثُلث ( ? ) الوضع الحالي ... رغم أن النساء يومها لم يَكُن "مُلتَزِمات" (!!!) كما هو أمر الكثيرات اليوم . إذن ، "الإلتزام" لا يؤدي إلى "الفضائل المُجتمعية" التي يتوهمها البعض ... بل قد تكون مفردات الواقع في إتجاه مُعاكس لهذا "التوهم" . تفسيري الخاص لهذه الظاهرة ، أن إغتصاب النساء لا علاقة له بشكل لباسهن أو درجة "إلتزامهن" . وإنما الأمر نتيجة لذيوع عقلية/ذهنية أشد تخلُفاً في المُجتمع ولشيوع حالة غضب عارمة (تُعَبِر عنها أشكال شتى من أشكال الخلل) من جراء سوء إدارة الُمجتمع من قِبَل أجيال مُتتالية من العجز الإداري وإنعدام المواهب القيادية وإستشرار الفشل والفساد. إن جرائم الإغتصاب ليست "فعل إثارة من جانب الضحية" (كما يُرَدِد المُتخَلفون) وإنما هى "فعل عدوان شرس وهمجي وغاباوي وحيواني من جانب الذئب" . ولكننا أبناء وبنات "ثقافة الذئب" درجنا على تبرئة الذئاب وإلقاء كل المسئولية على عاتق الضحية !

 

الدانة (38)

يقول ?ولتير : "إنني على إستعدادٍ لمخالفةِ خصومي في الرأي لآخرِ نفسٍ في حياتي ، ولكنني – بنفسِ القدرِ – على إستعدادٍ لفقدِ حياتي من أجل حريتهم في التعبيرِ عن آرائهم" . أما شيخُنا الأكبر فقد طالب بجلدِ بعض حملةِ الأقلام !! . أنت إذن (يا مولاهم) تدعو لجلدِ بعض حملةِ الأقلام لأنهم كتبوا ما لم يرق لك ... بينما كان ?ولتير على إستعدادٍ لملاقاةِ الموت من أجلِ حمايةِ حريةِ وحقِ خصومهِ في التعبيرِ عن آرائهم . وكأنك بذلك قد قصدتَ أن تجسدَ (أمام العالم) الفارق الأكبر بين حضارة الإنسانية التي أثمرها جهادُ أجيالٍ ضد الكهنوت ، وبين حضارتك (يا مولاهم) ، أي حضارة جلد حملة الأقلام ... وما أبأسها من حضارةٍ .

 

الدانة (39)

أيها الشيخ الكبير ؛ منذ نحو عشر سنوات ، كنتَ أنت في منصبٍ ديني آخر رفيع الشأن . وأثناء جلساتِ مؤتمرٍ بمدينة الإسكندرية ، إتهمك حضرميَّ وهابي (تسلل لمؤسساتنا الإعلامية وتغلغل (فيها) كالسوسِ في الخشب ، إتهمك هذا الوهابي بأنك تفتي على حسب هوى الحكام . يومها ، لم تغضب أنت لنفسك بينما غضب إثنان (الدكتور / حماد عبد الله وكاتب هذه السطور) وألحقا بالإعرابي ما يستحقه من هوان . يومها لم أفعل ذلك لمصلحةٍ أو منفعةٍ (وأنت أول من يعلم ذلك – وكانت مكالمتُك بعد الحدث إعترافاً بذلك) . والروح التي جعلتني أغضب لإهانةِ ذلك الأعرابي لك ، هى ذات الروح التي تجعلني اليوم (وقد طالعت السخامَ الذي تفوهتَ أنت به في حقِ بعض حملةِ الأقلام) أغضب منك غضبةً أشد من غضبتي (منذ أكثر من عشر سنوات) من ذلك "الورم السرطاني الوهابي" الذي تغلغل في إعلام المنطقة بأسرها يبث سمومَه الوهابية . لماذا غضبتي منك كانت ولا تزال أكبر ؟ لأن الجالسَ على مقعد "مصطفى باشا عبد الرازق" العظيم يجب ألاَّ يكون مشابهاً لأزلام ذهنية الخيام وكثبان الرمال ! .

 

الدانة (40)

"هوجة نوستالجيا" الإعجاب بمسلسل الملك فاروق لا معنى لها إلاَّ كونها نتيجةَ إستفتاءٍ على "واقعٍ مرير" .

 

الدانة (41)

يقول أبو الطيب المتنبي في واحدةٍ من أشهر قصائده :

نامت نواطيرُ مصرَ عن ثعالبِها

فقد بشمن وما تفني العناقيدُ .

ومعنى البيت : أن المسئولين في مصرَ قد ناموا وغفلت عيونهم من فرط التخمة حتى أنهم تركوا الساحة للصوص ليمرحوا فيها ، ومع ذلك فإن خيراتِ مصرَ لم تنفد (نوم المسئولين كان من فرطِ ما حطه اللصوصُ في أجوافِهم !) .

الدانة (42)

عندما إكتسح سعدُ زغلول وحزبُه (الوفد) الإنتخابات التي أجريت تحت نظر ملك يمقت سعداً (الملك فؤاد) وتحت إشرافِ حكومةٍ تُعادي سعداً (حكومة يحيى باشا إبراهيم) وهى الإنتخابات التي سقط فيها يحيى باشا إبراهيم (وكان رئيس الحكومة ووزير الداخلية في الوزارة التي أجرت الإنتخابات !!) أخذت العزةُ بالإثمِ نفسَ الملكِ فؤاد ، فعوضاً عن أن يكتب لسعد زغلول مكلفاً إياه بتشكيل الوزارة لأنه فاز في الإنتخاباتِ العامة ، فإذا بنفس فؤاد المستبدة تجعله يكرر ما يقوله كل طاغية . ماذا قال الملكُ فؤاد في خطابِ التكليفِ ؟ قال إن إرادته إتجهت لتكليفِ سعد زغلول بتشكيل الحكومة !! (إرادته إذن وليست نتائج الإتخابات) . ولما كان سعدٌ رجلاً عظيم النفس ، فقد أبى أن يخاطبه الملك بتلك الكلمات . فماذا فعل ؟ ... يجلس سعد زغلول العظيم ويكتب للملك فؤاد رسالة تنبيء الملك بموافقة سعد على تشكيل الحكومة ويبدأ بأن يحمد – سعد زغلول – الله ، أن جعلَ إرادةَ الملك تواكب وتوافق إرادةَ الأمة التي إختارت سعداً !! ... هكذا كان الرجالُ !! .

 

 

الدانة (43)

أكاد أسمع صدى صوت وصدح كلمات إسماعيل باشا صدقي (1875 / 1950) وهى تأتي من القبورِ تحث الفلسطينيين بكلماتٍ قالها تحت قبة البرلمان المصري منذ أقل (بشهورٍ قليلة) من ستين سنة : (أَملي ، ألاَّ تركضوا وراء "المستحيل" ، وتهجروا : "الممكن").

 

الدانة (44)

تحية للديمقراطيةِ المتناميةِ في المغرب . وتحية للتحضرِ المغربي الذي تمثل في وجود سبع وزيرات في التشكيل الحكومي (منذ أيام) . فأقوى دلائل التقدم , وجود النساء في الحياة العامة وفي الوزارات وعلى رأس كبريات المؤسسات . أما نحن ، فلا يزال غير قليل من شيوخنا المتكلسون يفتون بعدم ولاية المرأة للقضاء ... ناهيك عن الولاية الكبرى (أنظروا لسخافة اللغة !) .

 

 

 

الدانة (45)

منذ عشر ِ سنوات ٍ ؛ وأثناء سباحتنا اليومية (كل يوم من السادسة للثامنة مساءا ً ) قال لى الصديق والأستاذ الدكتور ميلاد حنا : "دعنى أرسم لك صورة َ السودان بعد عشرة ِ سنوات ثم بع ـ د عشري ـ ن سن ـ ة" ... اليوم أنظر ُ للصورة ِ السودانية ِ فأجدها طبق َ الأصل لما توقعه الأستاذ ُ الكبير بعلمه الذى لا مثيل له عن السودان ... ما قاله عن الجنوب ِ وعن دارفور وعن مواقف النظام السودانى في مواجهة عشرات المسائل هو - بالحرف - ما حدث . لذا فإننى لا أملك إلا أن أقول : يا ويل السودان إن كانت نبؤات الدكتور ميلاد لشكل الصورة السودانية بعد عشر سنوات أخرى بنفس ِ الدرجة ِ من الصحة ِ وبنفس ِ الدرجة ِ من الدقة ِ ... وكذا ؛ يا ويل أمة لها أبناء مثل ميلاد حنا ولا تسمع لهم .

 

الدانة (46)

جلس شاعرُ "مهازلستان" على دكةٍ في "تكيةِ الشعرِ الحلمنتيشي" في عاصمةِ مهازلستان (قتل-ستان) وقد لعبت "الحشيشةُ الأفغانية" برأسِه, فأخذ يدندن :

نصيحتي لكتابِ سيرهم الذاتيةْ ...

السياسية , وغير السياسيةْ ...

سكن الطوابق الأرضيةْ ...

فجزاء كتاب الأحداث السريةْ ...

والقصص المخفيةْ ...

الموتُ على الطرقِ الإسفلتيةْ ...

والسقوط (كحجرٍ) من الطوابقِ العلويةْ ...

فلا تكتبوا - يا سادة – قصصَهم المطوّيةْ ...

ولا تقيمون بالعاصمِة الضبابيةْ ...

فالموتُ في شوارِعها , ليس وجبةً شهيةْ !

 

 

الدانة (47)

أصبح المصريون بعد المؤتمر الأخير للحزب الوطني لا يفهمون الفوارق بين مصطلحات مثل: النظام والدولة والحكومة والحزب الحاكم ؛ وكأنهم (بتعبير توفيق الحكيم فى عودة الروح) قد صاروا "الكل فى واحد ..."

 

الدانة (48)

منذ أيام ٍ قليلة ٍ ؛ وعقب كلمة ٍ ألقيت ُ ها بالكونجرس الأمريكي عن أوضاع الأقليات الدينية والطائفية فى المجتمعات العربية؛  سألنى أحد أعضاء لجنة الحريات الدينية بالكونجرس عن نقطة البداية؛ فقلت أن أول ما يجب تحقيقه هو إالغاء الإشارة للدين ِ فى سائر ِ الأوراق ِ الرسمية ِ وفى مقدمتها بطاقات ِ الهوية ِ ؛ وأن ي ُ ق َ ت َ ص َ ر على الإشارة ِ للدين فى أوراق الزواج فقط ؛ أما ثانى الخطوات فتتمثل فى غربلة ٍ لبرامج ِ ومقررات ِ التعليم من طرف ِ هيئة ٍ من كبار ِ المثقفين والمفكرين لتنقيتها من كل ِ بذور ِ التعصب وثقافة الكراهية والتعالى على الآخر (المتغلغلة اليوم فيها) وفى ذات الوقت بذر البذور الثقافية للإيمان بالتعددية ِ والتنوع ِ وقبول ِ وإحترام ال آ خر والتسامح ورفض ذهنية إمتلاك الحقيقة المطلقة ...

الدانة (49)

أرجو أن نتذكر ونحن نعد لمشاريعنا النووية ؛ أننا أوقفنا السير فى هذا الإتجاه منذ عشرين سنة (1987) بسبب كارثة تشيرنوبل النووية؛ والتى تسببت فيها التكنولوجيا وأساليب الإدارة الروسية - تذكرت ذلك بكل وضوح وأنا أشاهد صورة بريماكوف مع رئيس الجمهورية فى زيارة ِ ترويج ٍ لبضاعة ٍ نووية ٍ روسية . فخلاصة خبرتى فى مجال البت ر ول وإنغماسي فى مشاريع للطاقة فى روسيا تؤكد لى أن تقنيات الإدارة الحديثة ومناهج السلامة والأمن الصناعى فى روسيا ليست بأفضل من مثيلاتها فى بلاد نيام نيام   ومهازلستان وفرقع -ستان وإهمال -ستان و كثبان - ستان وتخلفستان .

 

الدانة (50)

ي ُ ذهلنى أن كثيرين فى المجتمعات العربية لا يرون واحدة من أشد الظواهر قوة ً ووضوحا ً وهى ظاهرة إتفاق المؤسسات السياسية والدينية على ضرورة عدم تنمية العقل النقدى عند جموع المواطنين وحتمية إستمرار ذهنية الأجوبة لا ذهنية الأسئلة ... فمع إنتشار ِ العقل ِ النقدى وتحول الذهنيات ِ من عوالم ِ الأجوبة ِ الضيقة ِ إلى عوالم ِ الأسئلة ِ الرحبة ِ ؛ يأتى طوفان ُ المشاركة ِ والمسائلة والمحاسبة الذى هو آخر ما تقبل بشيوعه ِ مؤسسات ُ الإستبداد ِ والفساد ومعهما المؤسسات الدينية .

 

الدانة (51)

 

?وأَضَلَّ فِرعَونُ قَومَُه وَمَا هَدَى??

سُورَة طَ?ه ، الآية 79 .

 

?فَاستَخََّف قَومَهُ فَأَطَاعُوُه إنَّهُم كَانُوا قَوماً فَََ?سِقِينَ?

سُورَة الزّخُرفِ ، الآية 54 .

 

?ونَاَدَى فِرعَونُ فِي قَومِهِ قَاَل ي?َقَومِ َأَلَيس ِلي مُلكُ مِصرَ?

سُورَة الزّخُرفِ ، الآية 51 .

 

الدانة (52)

إخواننا المُتشنجون في الساحة الثقافية المصرية لا يعجبهم الطريقة التي تعاملت بها مصرُ الرسمية مع فوضى الغوغاء عند معبر رفح , لم يجرحهم أن حدودهم أُقتحمت, ولم يجرحهم أن جنودهم أُلقيت عليهم الحجارة , ولم يجرحهم منظـر الغوغاء وهم يتـدفقون – بالقسر – داخل مصر بدون إذنها وعلى غير موافقة مع نُظمها وإجراءاتها . وعندما كَظمت مصرُ الرسمية الغضب وسمحت للبُخار بالخروج من القُمقُم ثم أعادت الأمور لمنطق العصر والقانون غضب غَرائزيون مصريون (ولا أقول : مُثقفون مصريون – فهم ليسوا كذلك) . وكأنهم أرادوا لوطنهم (الوطن هو مصر) أن يكون "مداساً بلا ضابط". ولم نسمع صوتاً واحداً من جانب هؤلاء الغرائزيين يقول (كما يقول ويُكرر ويُعيد ويُزيد أبو مازن) أن وقف الصواريخ العبثية التي تُطلقها حماس هو الآن أمرٌ لازمٌ لمصلحة الفلسطينيين ولمصلحة الكل (بإستثناء اليمين الإسرائيلي) .

 

الدانة (53)

منذُ يومين كانت سيدة أعمال سعودية ورجل اعمال سعودي في إجتماع عمل ثم قررا إستكمال الإجتماع على مقعدين وحول طاولة بمحل من محلات (ستاربكس) المنتشرة في شتى بقاع العالم , وهي جيل جديد وعصري ومُتحضر من المقاهي . أثناء الإجتماع هبط على سيدة الأعمال ورجل الأعمال السعوديين رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر, وعندما تأكدا أن الرجل ليس زوج سيدة الأعمال السعودية , قاما بإختطافها وساقوها لمحبس من محابس هيئتهم التي لا مثيل لها على وجه الأرض . بعد ساعات من الإعتقال وجه رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر تُهمة (الخلوة غير الشرعية) لسيدة الأعمال السعودية . أيحق لاحد بعد ذلك لومارس العالم الحر أي شكل من أشكال الضغوط على السعودية لكي تكف عن هذا العدوان على حقوق الإنسان – أن يعتبر ذلك تدخلاً في أمور تخضع للسيادة السعودية ؟! سَمعت بهذا الخبر وأنا بحضرة عدد من ضيوفي أساتذة جامعة لندن فغمرتني سُحب سوداء من سُحب الهم والغم والعار !

 

الدانة (54)

لا شك عندي أن الحكومة الحالية في تركيا سَتُكمل مسيرتها في القضاء المُبرم على أيةِ فرصة لتركيا لكي تكون مقبولة أوروبياً ويُسمح لها (عند التباهي مع المُتطلبات الدقيقة) بالإلتحاق بالإتحاد الأوروبي . إن الحكومة الحالية في تركيا تَخلق سوراً من التضاد الثقافي مع أوروبا ... ولا شك أن أوروبا ليست بحاجة إلى تركيا وأن تركيا هي التي كانت سترتقي بمُجتمعها إذا سُمح لها بالإنضمام بالإتحاد الأوروبي .

 

الدانة (55)

الأحكام القضائية الأخيرة بخصوص البهائيين والأشخاص الذين كانوا مَسيحيين ثم أسلموا ثم عادوا للمَسيحية تفتح باب الأمل في أن نصل لمرحلة حضارية تُلغى فيها أية إشارة لدين الإنسان في الأوراق الرسمية .

 

الدانة (56)

أثلج صدري أن يتجه الرأي العام في مصر خلال الأسابيع القليلة الماضية لإستهجان المُظاهرة المُنظمة التي قامت بها حركة حماس مُستعملةً البلدوزر وحاشدةً مئات الآلاف لكسر وعبور حدودِ مصر . وراق لي كثيراً تصريح أحد المسئولين بأن من سيفكر في تكرار ذلك ستُقطع يده ... وراق لي كثيراً أن صبية إيران والإخوان المُسلمين كانوا وحدهم في (فُسطاط) التعاطف مع من إقتحموا بلدهم ورشقوا بالحجارة جنودهم , فهو موقف يُثبت أن السادة أُميميون أكثر من كونِهم مصريين .

 

الدانة (57)

الصراع ُ العربي الإسرائيلي لا يصل إلى تسوية ٍ أو حل ٍ إلا من خلال طريقين : الحرب أو التفاوض . ومن أغربِ ما ي ُ ثير عجب م ُ ثقفي المجتمعات الأكثر تقدماً أن يروا المثقفين العرب يتخذون مواقفً ويكتبون آراءً تناهض إسلوب الحل السياسي أي التفاوضي . فمعظم (إن لم يكن كل) مُثقفي العالم يعتقدون أن من طبائع ِ الأمور أن يكون المثقفون في جانبِ الحل التفاوضي وليس الحل القتالي . ترى ما الذي يجعل المثقف العربي (في أغلبِ الحالات) يُمجد إسلوب القتال أو المقاومة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي ويرفض بل وأحياناً يزدري إسلوب ت ن اول الصراع بالمفاوضات؟ رغم أن لدي إجابة ً (خاصة ً ) إلا أنني أؤثر الإكتفاء بطرح السؤال والدعوةِ لحوار ٍ بهذا الخصوص.

 

الدانة (58)

من المذهل أن يستنكر بعض الكتاب المصريين أن يذهب كثير ٌ من المصريين ل لإ عتقاد بأن من أوجب واجبات الدولة في مصر َ أن تضرب َ بيد ٍ من حديد ٍ أي ة مجموعة ٍ بشرية ٍ تحاول إقتحام حدود مصر َ , بصرف النظر عن أسباب وخلفيات هذا الإقتحام . كيف وصل الهوس بفكرة القومية العربية أو الأمة الإسلامية بالبعض بيننا لكي لا يرى ج ُ رماً كبيراً في أن يقوم أحد (أياً كان) بإقتحامِ حدود مصر َ؟ .

 

الدانة (59)

ليس من معالمِ أو خصائصِ المثقف الحقيقي ألا يرى من الحقائقِ إلا ما يوافق هواه . أقول ذلك بعد إنتهائي من مطالعةِ كتابٍ كبير عن خذلان أوروبا وكل العالم لمسلمي البوسنة ثم لمسلمي كوسو?و في مُقابل نصرة الولايات المتحدة الأمريكية لهؤلاء المسلمين في البوسنة وكوسو?و . ومع ذلك , فإنني لم أطالع مقالاً واحداً لكاتب ٍ مصري كبير من " غير – المنبطحين " (حسب تسميتهم هم أنفسهم والتي تدل على إحتياجاتهم ال سيكولوچية لعلاجٍ فوري ) يبرز فيها دور الولايات المتحدة الأمريكية في حمايةِ مُسلمي هذين الإقليمين من أقاليم ما كان يُعرف بدولة يوغوسلا?يا , لماذا ؟ ... أيضاً عندي إجابة خاصة , ولكن أؤثر إثارة الأسئلة عن طرح الأجوبة .

 

الدانة (60)

أمضيت الأسبوع الأخير أُطالع عشرات التقارير والدراسات والمقالات عن الجرائم التي أُرتكبت (ولا تزال تُرتكب) في حق مواطني إقليم دارفور من أصولٍ إفريقية . هناك العديد من الزوايا التي يمكن النظر منها لمأساةِ دارفور إلا أنني أختارُ هنا النظر لفظائعِ إقليم دارفور من خلال ِ سؤالا ٍ واحد ٍ : لماذا لم يكتب كاتب عربي كبير واحد ما يدل على إستنكارهِ للجرائمِ التي أُ ق ترفت من قِبل سكان دارفور من أصول عربية وكذا من قِبل الحكومة المركزية في السودان ضد أهل دارفور المنحدرين من أصول أفريقي ة؟ لماذا لا يغضب هؤلاء لأطفال ونساء ورجال دارفور من أصولٍ غير عربية كغضبتهم للفلسطنيين في غزة؟ أي ة ذهنية هذه ؟ أية إنسانية هذه ؟ وأخيراً : أي تعصب مقي ت هذا ؟

 

 

الدانة (61)

تُشغلني كثيراً أحوال ُ تركيا السياسية . فتركيا كانت هي النموذج الوحيد لمجتمعٍ مسلمٍ يفصل فيه الدين عن الدولة وعن إدارة المجتمع والحياةِ كلياً . تركيا ال آ ن ليست على هذا الدرب وإنما تميل إلى خلطٍ ما بين الدين و الدولة . تري , ماذا سيكون مستقبل تركيا من هذه الزاوية ؟ هل س تستمر في زيادة جرعةِ دخول الدين ومعالمه ِ في الحياة السياسية بما يقضي قضاءاً مبرماً على إحتمالاتِ قبولِ أوروبا لتركيا كعضوٍ في الإتحاد الأوروبي ؟ أم تنحسر الموجة الحالية في تركيا وتنضم للإتحاد الأوروبي ؟ أغلب ظني أن التفاءل لدخول تركيا للإتحاد الأوروبي وما يعنيه ذلك ثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً هو من باب الأمل غير المُستند على أية أرضية من الواقع والحقائق .

 

الدانة (62)

كنت منذ أيامٍ (في باريس) أُتابع مقابلات ولقاءات وأنشطة وزيرة خارجية إسرائيل تس ي بي لي ف ني مؤخراً في العاصمة القطرية الدوحة , كنت أتابع إجتماعاتها ومن بينها إجتماع مع أمير قطر وآ خ ر م ع رئيس وزراءِ قطر (الأب الروحي لقناة الجزيرة) وكذلك مع وزير خارجية سلطنة عمان . حولت القناة الفرنسية إلى قناة الجزيرة عسى أن يكون بوسعي مُتابعة زيارة لي ف ني لقطر بتفصيل أكثر – فلم أجد شيئاً . السؤال ال آ ن : ترى ماذا سيكتب دعاةُ الصمود والتحدي والمُقاومة من كُتابنا الكِبار أصحاب الصلاتِ (الأدبية والمعنوية والمادية) مع قطر ؟ هل سنطالع لهم كتابات تستهجن الزيارة واللقاءات وتُهاجم قناة الجزيرة ورُعاتها ؟ أم أن الإنتقائية هي سيد الموقف عند الصناديد والمغاوير أصحاب الكلام الكبير ؟.

 

الدانة (63)

قام رفيق الحريري بالإنفاق الكليَِّ على تعليم أقل قليلاً من أربعين ألف لبناني ولبنانية من سائر الخلفيات الدينية والطائفية عن طريق "مؤسسة الحريري" . وخلال إستعراض العضلات الأخير لحزب الله في لبنان قام قبضايات حزب الله بحرق تليفزيون المستقبل الذي أسسه رفيق الحريري ومهاجمته وتدمير مؤسسة الحريري . الدلالةُ واضحة وضوح الشمس في كبد السماء . من يخلط الدين بالسياسة لا يمنعهُ شئ عن إخراس خصومه السياسيين (حرق تليفزيون المستقبل) وتدمير أجل أعمالهم (مؤسسة الحريري) .

 

الدانة (64)

منذُ أيام قليلة (6 مايو 2008) وبينما كنت أجلس على يسار رئيس وزراء كوردستان في مدينة إربيل (عاصمة كوردستان) سمعته يتحدث عن أن أول قرارٍ إتخذه يوم أصبح رئيساً لحكومة كوردستان (سنة 1991) هو إغلاق كافة المدارس الدينية في الإقليم. فقد كان يرى أن المجتمعات الحديثة تحتاج لعددٍ قليل جداً من رجال الدين من أصحاب المستويات الرفيعة في التعليم ولا تحتاج إلى تلك المفارخ لذهنية التعصب والتزمت والرجعية . في نفس يوم إصداره إلغاء المدارس الدينية في إقليم كوردستان العراق إتصل به الرجل الثاني في دولةٍ تُنفق على المدارس الدينية من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب وعرضَ عليه إغراءات مالية بمليارات الدولارات إن قامَ بإلغاء قرار إغلاق المدارس الدينية . ولكن السيد ( Nichirvan Barzany ) أصر على التمسك بقرارهِ. وهاهي كوردستان اليوم منطقة هادئة مسالمة تنعم بسلامٍ نادرٍ وسط أتون الغليان العراقي بل أَنها الجهة الوحيدة في العراق التي لا يحارب بعضُها بعضَها . توقعاتي لإقليم كوردستان أن يكرر النهضة العظمى لمكانٍ مثل إمارة دبي كما أتوقع له أن ينسلخ عن أتون الغليان والقتلِ والدم القريبة منه .

 

 

الدانة (65)

كان مُحدثي على مشارف التسعينيات من العمر . وهو عراقي من جيل الملكية في العراق. تلقى تعليمه في أرقى مدارس العالم وحصل على الدكتوراة في الإقتصاد من جامعة أُكسفورد البريطانية العريقة . قال لي : سافرت إلى يافا في فلسطين في صيف سنة 1942 وكنتُ قد تخرجت حديثاً من جامعة أُكسفورد . بعد زيارتي إلى يافا أخذني أصدقاءُ فلسطنيون إلى الجزء اليهودي من المدينة أي تل أبيب . رغم أن إسرائيل يومها لم تكن قد قامت بعد كدولة , إلا أن صاحبي العراقي المثقف الكبير أدهشته الفوارق بين يافا وتل أبيب . في تل أبيب طلب منه سائق الحافلة العامة أن ينزل ويقف في طابور المنتظرين ثم يُعاود ركوب القافلة وفق النظام . في الحافلة قال له أحد اليهود من قاطني تل أبيب أن اليهود سوف ينتصرون دائماً على خصومهم العرب طالما أنهم يقفون في الطابور والعرب لا يعرفون الإنتظام في طوابير!... قد تُضحك هذه القصة البعض ... ولكنها لم تضحكني فقد سبق وأن قرأت نفس الكلمات في مذكرات "بن جوريون" الذي كتب أنه لن يأخذ العرب مأخذ الجد طالما أنهم لا يقفون في طوابير .

الدانة (66)

هناك أكثر من طريقة للنظرِ إلى وتقييم إتفاق تسليم الأسرى الذي أُبرم منذ أيام بين إسرائيل وحزب الله . البعض قد يراه إنجازاً كبيراً لحزب الله . والبعض قد يراه دعاية إسرائيلية أمام العالم المُتحضر , إذ تُظهر إسرائيل إستعدادها لإعطاء عشرات بل ومئات الأحياء والموتى (من العرب) في مُقابلِ جثة أو جثتين إسرائيليتين . ولا أعرف كيف يطلقُ أبناء بني حنجرة على هذا الإتفاق أنه إتفاق الذل والهوان لإسرائيل ؟ فإسرائيل تقول للعالم الحر ولشعبها أن جثة إسرائيلي تُساوي أو تفوق في قيمتها (عند إسرائيل) عشرات بل مئات الأحياء والموتى عند العرب . من حق البعض أن يرى أن هذا التصرف الإسرائيلي تصرف خاطئ ، ولكن ما دخل العار والهوان والذل في هذا الإتفاق ؟ إنها مرة أخرى عقلية قبيلة بني حنجرة التي تعيش وتموت في ظل الكلام الكبير الأجوف . فلو كان هناك مجال لمفاهيم مثل العار والهوان والذل فإنها (أي تلك الأوصاف) ستكون من نصيب الذين تقتصر مُساهمتهم في مسيرة العلم والتقدم على التغني بماضي مجيد هو أقرب إلى الظن والوهم منه إلى الواقعِ والحقيقة – أما لحظتهم الراهنة فتشهد على تأخرهم في كل مجالات العلمِ والإقتصاد والإنتاج والمنافسة .

الدانة (67)

يصلي الليبراليون العرب صباح مساء من أجل سوريا ! يصلون ويدعون الله أن يكلل جهود سوريا في المفاوضات مع إسرائيل بالنجاح الكامل للجانب السوري ، بمعنى أن تحصل سوريا على كل ما تريد , فتعود لها الجولان غير منقوصة ، وفي المقابل تعترف سوريا بإسرائيل وتُفتَتَح السفارة السورية في تل أبيب والسفارة الإسرائيلية في دمشق ، ويجلس تلاميذ مدرسة الصمود والتحدي وثقافة المقاومة يلطمون الخدود ومعهم أشاوس الكتاب العرب الذين يمسكون سيوفاً من خشب ويحاربون في الخيال معاركً لم تحدث ، ولا بأس عندئذ أن يعلنوا الإنتصار وأن يَصموا الآخرين بأنهم أهل الذل والعار والهوان ، ويمكن أيضاً إضافة وصف مثل كتاب المارينز . الليبراليون العرب يصلون خمس مرات في اليوم وعقب كل صلاة يدعون لسوريا بالتوفيق في مفاوضاتها مع إسرائيل وأن تحقق كل مآربـها ؟؟ .

 

الدانة (68)

في مُقابل رموز التعصُب والإنغلاق والهجرة العمياء للماضي والتي كان أبرزها في جيله الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي ، كان هُناك آخرون من رموز الإنتصار للعِلم والتقدُم والحضارة والمدنية مثل أحمد لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وسلامة موسى ومنصور فهمي ومن الجيل التالي لهم الدكتور حسين فوزي . اليوم يشيعُ بين عددٍ غير قليل من حَمَلة الأقلام في واقعنا نموذج مصطفى صادق الرافعي ولا نكادُ نجد مُمَثِل للمدرسةِ الأُخرى . بقى أن يعرف القُراء أن مصطفى صادق الرافعي عاش ومات بدون أن يكون بوسعه قراءة فقرة واحدة بأية لغة غير عربية. أما أمثال أحمد لطفي السيد وعبد العزيز فهمي وسلامة موسى ومنصور فهمي فقد أحاطوا بكلاسيكيات الإبداع الإنساني في أصولها وبلُغاتها .

 

الدانة (69)

على كثرةِ ما يتردد ويُقال عن مُختلف الأنشطة في مجال "الحوار بين الأديان" ، فإنني لا أفهم ما المقصود بكل تلك الجهود . إن الشيء الوحيد الذي علينا أن نزرعه في عقول وضمائر أبناءِ وبناتِ أي مُجتمعٍ مثل مُجتمعنا هو أنكَ إذا أردت أن يحترم الناس دينك ومُعتَقَدَك فإن عليك أن تحترم أديانهم ومُعتقداتهم وألا يكون همك الدخول في حواراتٍ هدفها إثبات التفوق والسبق .

 

الدانة (70)

أُكررُ في هذه "الدانة" ما كتبته في أول فصول كتابي "ما العمل" الذي صدر في سنة 1986 وهو أن الشارع المصري اليوم يُجَسِد ويُمَثِل ويُشَخِص مُعظَم ملامح حالتنا المُجتمعية الراهنة من إنعدامِ معنى القانون وعدم إلتزام الأقوى بالذات بأحكامه وسيادة مبدأ أن القوى تُنشيء الحق وتحميه وذيوع القيمة العالية المؤَسَسة إما عن السُلطةِ أو المال وقبل كل ذلك خرق القانون من قِبَل المنوط بهم إحترامة ناهيك عن ترجماتٍ شتى لثقافة الفهلوة التي يكون فيها كل مواطن هو السُلطة التشريعية والسُلطة التنفيذية وأحياناً السُلطة القضائية أيضاً في ذات الوقت .

الدانة (71)

في شهر مايو 1967 سُئِلَ قائد عربي كبير عما ستفعله بلده لو أن الأسطول الأمريكي السادس تَدَخَل فى النزاع الذى كان مرتقبا يومها بين بلده وإسرائيل .فكان رده بكلمة واحده ( سنغرقه ) !!! وفى سنة 2003 قال قائد عربي آخر أن الأمريكيين سيموتون على أبواب بغداد . ومنذ أيام قال قائد إيراني أن أكثر من ثلاثمائة قبر يجري حفرها وإعدادها لدفن الأمريكيين والإسرائيلين بها !! . تذكرت تلك المقولات الناضحة بالحكمة وبُعد النظر ورجاحة العقل وأنا أراجع بروفة الطبعة الخامسة من كتابي عن العقل العربي ؛ وكنت ساعتئذ أراجع فصلاً معنوناً " ثقافة الكلام الكبير" ؛ فهمست : "على بركة الله !!

 

 

الدانة (72)

ما الذى يسوغ لعربة كارو (مثل مصطفي صادق الرافعي أو جلال كشك) أن يتجاسر ويهاجم بل ويسفه  سيارة رولز رويس (طه حسين) أو جاجوار (سلامة موسي ) ؟ ... السيد جلال كشك كان يكتب للملوك (بالأجرة !!) ؛ إذ كتب لملك سعودي كتابه السقيم "السعوديون والحل الإسلامي" وكتب لملك مغربي كتابه المرتزق " وقيل الحمد لله " .

 

الدانة (73)

إسمان إذا ذُكرا أمام أي ديكتاتور اليوم فى العالم تكهرب وتخلله رعب وهلع وجزع وفزع لا حد لهم : تشاوشيسكو ... وميلوسوفيتش ... وفى المستقبل القريب سيُضاف إسم الرئيس السوداني البشير لقائمة أسماء الرعب وعدم النوم ؛ وربما الإسهال أيضا .

 

الدانة (74)

ما الذي دهى حِصن الإسلام السُني الأكبر أي الأزهر ؟ . لماذا تقبل مؤسسة بهذه العراقة بالتبعية الفكرية لمؤسسة دينية أُخرى خاضعة بالكلية لأضعف تيارات الفقه الإسلامي وأكثرها نصية وعبادة للنقل وعداءاً للعقل (تيار أحمد بن حنبل وإبن تيمية وإبن قيم الجوزية) ؟ لماذا لا يتصدى الأزهر لأفكارٍ هى بالتأكيد مفارخ التعصُب والتزمت والعُنف والإرهاب والدعوة الحاضة على الصدام مع الإنسانية مثل أفكار الولاء والبراء التي كان لها المُساهمة الكبرى في إنتاج دولة طالبان والأفغان العرب وأتباعهما من الجهاديين والإنتحاريين في شتى أرجاء المعمورة . لماذا لا يتصدى الأزهر لمُجمَل نظرية الولاء والبراء ويشرح لجمهوره الواسع أنها (نظرية الولاء والبراء) نظرية أنتجت في زمن معين وفي ظل ظرف تاريخي محدد هو سقوط أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي تحت سنابك خيل المغول الذين أسقطوا عاصمة الدولة الإسلامية وداسوا أشياءاً عديدة في طريقهم . لماذا لا يُقال على أوسع نطاق أن القول بنظرية الولاء والبراء كانت حاجة سياسية مُلحة في زمنٍ وظرفٍ تاريخي لمنع أبناء الشعوب الإسلامية (وقتها) من التعامل مع العدو الغازي .

 

الدانة (75)

سمعت بأُذُني عملاق الأدب العربي الراحل عباس محمود العقاد وهو يتسائل في سُخريةٍ موحية : لا أظن أن الله سيُحاسبنا على أعمالنا في زمنٍ صار فيه كمال الدين حسين وزيراً للتعليم والبحث العلمي ! ... تذكرت هذه السخرية الفذة أثناء محنة تسرب أسئلة الثانوية العامة مؤخراً فالنظام التعليمي الرائع الذي ورثته حركة يوليو 1952 وحولت قيادتهِ من رجالٍ على شاكلة أحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وطه حسين لرجلٍ مثل كمال الدين حسين ، كيف وضعت هذه المؤسسة الهامة للغاية بيد الجهالةِ والسطحيةِوالرعونة منذ نصف قرن على طريق الأفول والإنهيار والإنحدار والتراجعِ حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم ؟

 

الدانة (76)

صرت - مع تجارب السنين - أر ى أن بعضنا يحم ّْ ل بعض الأشياء والظواهر والتوجهات الثقافية أكثر مما تحتمل . فكثير منها هو محض ترجمة لحالة الت َ ر َ ه ُ ل والإنهيار فى المستويات الثقافية والتعليمية والإجتماعية ... ولتنخفض الجباه إحتراما لمن قال منذ قرابة القرن ونصف القرن (ق ُ ل لي كيف تكسب وتعيش ؛ أقول لك كيف ت ُ ف َ ك ِ ر وماذا تتذوق وبما تؤمن !!) ... وليقرأ  قراء هذا المقال إما الفاتحة ( لو كانوا م ُ سل ِ مين) أو الصلاة الربانية (إن كانوا مسيحيين) أو مزمور "إرحمني يا الله" (إن كانوا يهودا ) على روح العظيم كارل ماركس (1818 - 1883) ... فإن كان هو سيرفض تلك النصوص الثلاثة ؛ فلنق ـ رأ مقدم ـ ة كتاب ـ ه المسأل ـ ة اليهودي ـ ة !!!!! .....

 

 

الدانة (78)

منذ ُ مائة سنة بالتمام والكمال إ فت ُ ت ِ ح َ ت الجامعة المصرية ( تحول الإسم من الجامعة الأهلية للجامعة المصرية لجامعة فؤاد الأول لجامعة القاهرة ) ... فى سنواتها الأولي كان من بين ط ُ لاب الدراسات الع ُ ليا با لجامعة طه حسين ؛ كما كان من أساتذتها البروفيسور الإيطالي الأشهر نيللينو - اليوم تغرق قطاعات عديدة من هذا الصرح العلمي العريق تحت ظلام م ُ ل اّ ك الحقيقة الم ُ طلقة فيما تُ سح َ ب صفة "الجامعة" عن أماكن كثيرة بها ... ففى البحث العلمي لا يوجد أ و لئك الذين يملكون الحقيقة الم ُ طلقة .

 

الدانة (79)

موقف جامعة الدول العربية (يوم 19 يوليو 2008 ) من قرار المحكمة الجنائية الدولية والذى ت َ ض َ م َ ن الأمر بالقبض على الرئيس السوداني مع توجيه الإتهام له بالمسئولية عن جرائم دارفور ؛ موقف الجامعة العربية من هذا القرار هو موقف مفهوم وم ُ ست َ نك َ ر فى آن واحد : مفهوم لأن وزراء الخارجية العرب (أو معظمهم) لا يعملون فى خدمة ِ شعوبهم وإنما فى خدمة ِ من وظفوهم أى الحكام ؛ وخدمة الموظف لرئيسه أمر مفهوم . كما أنه أمر بشع ؛ لأنه يعني أنهم يهتمون بجلال مناصب رؤسائهم وملوكهم وأمرائهم عن حياة وأرواح وأمن وكرامة مئات الألوف من أهل دارفور الذين ق ُ ت ِ لوا والذين ش ُ ر ِ دوا واللآئي إغت ُ ص ِ بن من بنات دارفور لا ل ِ ج ُ رم إقترفوه وإنما - فقط - لكونهم من أصول إفريقية سوداء ؛ على خلاف قاتليهم الذين ينحدرون من أصول عربية (ربما يكون هذا دافع وزراء الخارجية العرب ؛ فهم يحمون القاتل لأنه من أصول عربية؛ ولا يعبأون بالقتلي لأنهم من أصول إفريقية سوداء) ... أي خزي هذا ؟

 

الدانة (80)

لا يساورني شك أن من لا يرى أن قيادات وسياسات وتصرفات حماس في فلسطين هي ضفيرة من التخلف والماضوية والتعصب ومنافاة التحضر والتمدن هو إنسان تحكمه غرائز بدائية وعدوانية مضادة لكل مفردات العصر؛ وأن دوافعه لا علاقة لها بالفكر والرأي وإنما بعوامل بعضها سيكولوچي (نفسي) وبعضها سوسيولوچي (إجتماعي) ... وينطبق ذات التحليل على من يروق له حزب الله وأحمدي نجادي (الذي يسميه أهل عربستان في غرب إيران أحمقي نجاد) ... وكذلك الذين حرك غرائزهم الغزو الروسي لجورجيا ... وأستطيع أن أجزم أنني أعرف رأي هؤلاء الغرائزيين في مسائل مثل :

- حل الصراع العربي الإسرائيلي بالتفاوض ...

- وضع الأقليات في المجتمعات الناطقة بالعربية .

- وضع المرأة في مُجتمعاتنا المترعة بالتخلف والماضوية ...

وفي كثير غيرها من المسائل ؛ فنحن نعرف البوتقة التي تخرج منها أفكارهم مثل : الغرائزية والشعور العميق بالدونية والتعصب المفرط ومحدودية وهزال تكوينهم السياسي وغرقهم في الحلم بماضي لم يوجد في أي زمان وأي مكان .

 

الدانة (81)

كما أن ويليام شكسبير – كما قال وينستون تشرشل العظيم – أهم من الإمبراطورية البريطانية ؛ فإن محمود درويش (كان ولا يزال أهم من أي منظمة فلسطينية 1942 – 2008) عندما توفى العظيم محمود درويش تقاطرت مواقف التعظيم له من كبريات الجامعات وأكبر أصحاب العقول والأقلام وطالت قامة الرئيس محمود عباس بما فعل وقال في حق محمود درويش ... ولكن الموقف اجلل والجليل شهد نغمة نشاز واحدة عندما إنبرى أقزام (أشك أن بوسع أي منهم مطالعة وفهم صفحة واحدة بأي كتاب عالمي جاد) وكلهم من أزلام حماس ينهشون إسم ورسم وقيمة العظيم محمود درويش ... وهو ما أكد ما نكرره أن من (توهم) أنه وحده الذي يمثل الحق (وكل من خلط الدين بالسياسة هو من هذه الفئة) لا يمكن أن يفهم أو يقبل التعددية التي هي من أحجار الزاوية لأي ثقافة إنسانية متحضرة ... ومن لا يقبل التعددية ؛ لا يقبل تداول السلطة ؛ ومن لا يقبل تداول السلطة لا يمكن تصنيفه بين الديمقراطيين ؛ حتى لو وصل للحكم (مثل أدولف هتلر) من خلال إنتخابات ديمقراطية ... لقد كانت كلمات أزلام حماس عن محمود درويش طبقة جديدة سميكة من طبقات السخام الحماسي (راجع معنى سخام في القاموس المحيط ولسان العرب) . 

 

الدانة (82) 

لاشك عندي أن الأوليجاركية المالية تقود مهازلستان المعاصرة لأتون من الفوضي ... فكما قال إبن خلدون منذ قرون ؛ فإن الحاكم إذا تاجر فسد الحكم وبارت التجارة . منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي و مهازلستان تشهد واحدا من أخطر فصول تاريخها إذ تحول حكم مهازلستان خلالها من نظام حاكم فرد محاط ببطانة من عتاة البيروقراطية السياسية لنظام حاكم فرد محاط بطبقة تجار نهمة وذات محصول ثقافي ومعرفي وتاريخي بالغ الضحالة وعديمة الحس الإجتماعي ومن عتاة الفاهمين لآليات الإحتكار والإستحواذ وأخيرا فإنهم من أرباب الفساد والإفساد بأشكال ربما تكون الأكبر والأشد فساداً فى تاريخ مهازلستان الطويل (نيف وخمسين قرناً) . ولو كنت من قادة الجماعة المحظورة لصليت – يومياً - صلاة شكر لله لأن هذه الأوليجاركية قد وجدت فى هذا العهد ولأنها فعلت وتفعل ما يعبد طريق الجماعة لحلمها التاريخي . وعندما تقع الفاس فى الراس ؛ فسيكون ذلك موعد لقاء أبناء وبنات مهازلستان مع عقود من الفوضي والإنهيار ... أما أبناء وبنات الأوليجاركية المالية المهازلستانية فسيكونون أما فى سويسرا أو موناكو أو سردينيا يحيون حياة ترف بلا نظير بتمويل من أبناء وبنات مهازلستان (الغلابة) الذين بقوا لتتعلم فيهم الجماعة - غير المحظورة وقتئذ - الحكم والسياسة ...

 

الدانة (83) 

أمضيتُ أكثر من عقدين في مؤسسةٍ كانت ولا تزال أحد أكبر ثلاث مؤسسات إقتصادية في العالم وكان ما تعلمته من الثقافة المؤسسية لهذا الصرح الإقتصادي العظيم أنه لا يوجد حادث إلا وكان من الممكن تجنب وقوعه . وينطبقُ هذا على حوادث الحريق بوجهٍ خاص . فمعظم الحرائق الكبرى تكون بدايتها مرتبطة إما بالكهرباء أو بنارٍ أهملت (ومن ذلك أعقاب السجائر) . تذكرت ذلك وأنا أشاهد إحتراق المبنى التاريخي لمجلس الشورى والذي أفتتح سنة 1866 كمجلس شورى القوانين والذي بنته دولة الخديوي إسماعيل الفذة كما بنت دار الأوبرا المصرية القديمة التي أجهز عليها حريق مماثل للذي أجهز على مبنى مجلس شورى القوانين (مجلس الشورى) . إذا لم يكن ما حدث بفعل فاعل , فإنالإهمال (ذلك الصنم المصري العتيد) يكون هو الفاعل ... وهو أمر غير مُستغرب في بلدٍ لم تمر سنة من سنواته الثلاثين الأخيرة دون حادث مأساوي كحريق قطار الصعيد وحريق أحد المراكز الثقافية في صعيد مِصر وحادث العبارة المأساوي وكلها حوادث يدفعها من لا علاقة له بالعصر بصفة القضاءِ والقدر وكلها في الحقيقة حوادث كان من الممكن تجنبها إلا أن وجود آلية تجنب حوادث كهذه تتطلب إدارة قيادات إدارية من نوعٍ لا وجود له في مِصر لا في المؤسسات الحكومية ولا في القطاع العام ولا حتى في القطاع الخاص .

الدانة (84)

سألني قارئ عن أثرِ التكتيم والتعتيم الذي مورس على أوسع نطاق منذ أيامٍ قليلة بهدفِ عدم ذكر إسم شخص معين إرتبط إسمه بحادثةٍ معينة وقعت خارج مِصر . فكانت إجابتي أن ما حدث ويحدث رسخ عند المصريين أن القانون لا يُطبق إلا على ما لم تكن عنده عضلات سياسية تدافع عنه وتحميه بل وتقطع الألسنة وتقصف الأقلام حتى لا يُذكر إسمهُ بسوء .

 

الدانة (85)

قناة تليفزيون الجزيرة التي يُديرها شاب فلسطيني كان من المسئولين عن إعلام منظمة حماس (!!) سوف يكتب عنها في يومٍ من الأيام أنها لم تكن جهاز إعلام عصري ولم تكن مؤسسة ثقافية تحاول أن تعالج الحياة الإعلامية والثقافية والعربية من أدرانها وإنما كانت محض تشخيص وتجسيد للعقلية والذهنية والثقافة العربية في هذا الزمن : خلطة من الفكر القومجي الذي إنتهى عصره مع إضافات أساسية من الإسلاموية في ظلِ مادةٍ خام واسعة من سوسيولوچيا وسيكولوچية الدونية التي تجعل أصحابها في حالةِ رجمٍ مستمرة للآخرين بوجه عام وللأكثر تقدماً بوجهٍ خاص والدليل على أن الجزيرة هي نبتة من أديم "مستشفى الأمراض الثقافية" العربية , أن الجزيرة عندما بدأت البث باللغة الإنجليزية لم تجد مشاهداً يراها ... فما لم يكن المشاهد مريضاً بتلك الأوبئة التي ذكرتها آنفاً , فإنه لا يمكن أن يضيع دقائق في مشاهدة قناة تليفزيونية تعمل على وتيرة الدونية والأوتار الأخرى التي ذكرتها (المشاعر القومجية والإسلاموية ) .

 

الدانة (86)

على نقيض معظم المحللين السياسيين في البلدان الناطقة بالعربية , فإنني لا أتوقع فوز باراك أوباما في إنتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة في شهر نو?مبر المقبل . حساباتي (وليست أهوائي) تُرجح فوز ماكين . القوة السياسية الفاعلة التي أفرزت في سنوات رئاسة رونالد ريجان (1981- 1989) والمؤسسات التي تقف ورائها وتدعمها هي في إعتقادي التي ستصل بچون ماكين في شهر يناير المُقبل بالبيت الأبيض.

 

الدانة (87)

الرئيس الأسد يُعلن قبل أيام وقبيل وصولهِ إلى العاصمة الروسية موسكو تأييدهِ لمواقف روسيا من جورجيا ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن أوروبا . الخبر إما أن يعلق عليه بسخرية فيقال : "يا لحظ روسيا" !! وإما أن يعلق عليه بجدية فيقال : ما أعظم العرب في الخيارات والرهانات الخاسرة من تعاطف الزعيم الفلسطيني عبد القادر الحسيني مع هتلر إلى تعاطف الرئيس السوري منذ أيام مع موسكو! ... إنها خيارات ورهانات تدل على أن إسرائيل محظوظة (بشكل خرافي) بالحالة العقلية والذهنية لخصومها . منذ أيام صرح رئيس سابق لجهاز الموساد الإسـرائيلي بأن الرئـيس الإيراني أحمدي نجاد هو ضربة حـظ لمصلحة إسرائيل (!!) .

 

الدانة (88)

الثقافة العربية اليوم مكبلة بثلاثة قيود : القيد الأول يمثله عدد من رجال الدين الغارقين فى الرجعية والماضوية والتخلف (وهم أيضا الذين يعطون الشرعية) لنظم حكم أسوأ من السوء ... ثم القيد الثاني والذى تمثله برامج التعليم ومناهجه الغارقة فى عقلية التلقين والغارسة لقيم التخلف والحاجرة على إبداعات العقل النقدي ...  ثم القيد الثالث والمتمثل فى إشكالية الثقافة العربية المعاصرة مع التقدم وعجز هذه الثقافة عن التعرف على الطبيعة الإنسانية لقيم التقدم ... وبفعل تلك القيود الثلاثة تغلف واقع مجتمعاتنا رقائق بل طبقات سميكة من الآفات أكبرها موقف ثقافتنا المخزي من الوضعية المزرية للمرأة العربية ... فالرجل العربي الكسيح والفاقد - كلية - للثقة فى الذات لا يزال يقبل بمعاملة المرأة وكأنها شر مؤكد (بل ويدين المرأة إذا تحركت غرائزه هو بشكل حيواني فيصرخ "كفنوها" بالأقمشة والبراقع لأنها تغريني !! فالضحية هى المسئولة لا الجاني الذى يعترف ضمنا بحيوانيته وبهيميته وتوحشه ... ومع ذلك يلقي بتبعة دونيته على المرأة)  ... إن المثقفين العرب مطالبون اليوم بإعتبار أعداد غير قليلة من رجال الدين فى مجتمعاتهم (وهم أولئك الذين يعارضون المساواة والحقوق الكلية للمرأة) مجرد مرضي من مصلحة المجتمع حجزهم فى المصحات لعلاجهم  نفسيا لا إقامة التشريعات وسن القوانين بناءاً على آرائهم المريضة والمترعة فى التخلف والظلامية والرجعية والماضوية واللا–إنسانية ...

 

الدانة (89)

كما طالعت كل كتابات الأب متي المسكين فقد طالعت السيرة التفصيلية له والتى أصدرها دير الأنبا مقار ... وكما أعجبت بمؤلفاته (وأن كانت  لي تحفظات على آراء عدة له فى أكثر من مسألة من مسائل اللاهوت اللأرثوذوكسي) ؛ فقد أعجبت بسيرته ... أما ما تردد مؤخرا عن مصادرة السيرة التفصيلية للأب متي فإنه لم يذهلن لأنني لم أتوقف عن ملاحظة شيوع السلبيات الثقافية فى المجتمع المصري ككل : التعصب ... ضيق الصدر بالنقد ... ضآلة الإيمان بالتعددية والغيرية ... الهجرة المرضية للماضي ... تآكل هامـش الموضوعية ... ذيوع مفاهيم تستقي وجودها وتفاصيليها من ذهنية الخرافة والأسطورة ... لذلك فلم يدهشن أن يكون رد فعل بعض قادة الكنيسة تجاه الكتب التى لا تروق للبعض فى الكنيسة مشابها لردود أفعال الأزهر ... القضية قضية مجتمع يسقط الكثير من أبناءه وبناته بسرعة كبيرة فى يد الجهل والتعصب والثيوقراطية والماضوية ... للأسف الشديد .

 

الدانة (90)

دعونا نسمي الأشياء بأسماءها الحقيقية : فالهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان هما ما يجعلا إنسان لا تغضبه الجرائم التى إقترفت فى دارفور ويصغرويقلل من فداحة ما حدث ويحدث هناك ... والهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان هما ما يجعلا إنسان يعجب بنجاح حزب الله فى الإفراج عن سميرالقنطار - وهو ما كلف لبنان ألف قتيل لبناني وتدمير قسم كبير من بنيتها الأساسية - ولا يحفل بنجاح الرئيس الفلسطيني محمود عباس فى الإفراج (بالمفاوضات فقط) عن قرابة مئتي فلسطيني كانوا سجناء فى سجون إسرائيل ... والهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان هما ما يجعلا مصري لا يسعد بإعلان وزير الخارجية المصرية أن من سيقدم على دخول مصر (من ناحية غزة) بغير السبل القانونية سيجد ما لا يسره والهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان هما ما يجعلا أي إنسان لا يزدري ما قامت ولا تزال تقوم به منظمة حماس فى قطاع غزة من الإنقلاب الهمجي لإلقاء خصومها من الطوابق العليا للمباني لإطلاق الصواريخ العبثية التى حملت وتحمل الفلسطينين الأبرياء ما لا طاقة لبشر به لواقعة إقتحام الحدود المصرية الغوغائية لرفضها ما قبلته الحكومات الفلسطينية السابقة ... والهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان هما ما يجعل مسئول سوري يصرح - فى تقدمة برنامج وثائقي عن الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين (أعدم سنة 1966) أن سوريا ما كانت لتقبل أن تعطي إسرائيل رجلها إيلي كوهين حتى لو كانت مرتفعات الجولان هى المقابل (!!) وهو قول - فوق كونه تجسيدا لهمجية الفكر وسيكولوجية الأقنان - يتسم بالهوس ويجسد ثقافة الكلام الكبير التى هى أحد أهم معالم الثقافة العربية المعاصرة ... فمن جهة ؛ فهذا محض (كلام فارغ) إذ أن الجولان لم تكن قد إحتلت أثناء محاكمة إيلي كوهين وإبان إعدامه (!!) فقد أعدم إيلي كوهين فى دمشق قبل سنتين من ضياع الجولان ... ومن جهة أخري ؛ فكيف يكون إيلي كوهين أهم من الجولان؛ إلا إذا كنا نستمع لمتحدث مودع بعنبر المرضي الخطرين بمستشفي الأمراض العقلية ! فسوريا التى هى على إستعداد للإعتراف بإسرائيل والتعامل معها والتواجد المشترك معها فى منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تسلم لإسرائيل رجلها إيلي كوهين حتى لو كان المقابل إعادة مرتفعات الجولان المحتلة لسوريا !!!  ومن أبرز نماذج السلوك المجسد للهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان موقف بعض العرب المؤيد لغزو العراق للكويت فى صيف 1990 بل ونعته بأنه عمل وحدوي (!!!) وهل هناك وصف غير الهمجية الفكرية وسيكولوجية الأقنان (أي عبيد الأرض) لهذا الإصطفاف الإجرامي مع المعتدي ؟ ...   ويمكنني ضرب عشرات بل مئات الأمثلة - من التاريخ العربي القديم والوسيط والحديث - على مواقف هى محض تجسيد لهمجية التفكير أو التفكير الهمجي ونفسية العبيد .