البشـرية … وأمريكا… ومسيرة التمـدن .


قلتُ في محاضرةٍ بإحدى جامعات غرب الولايات المتحدة منذ أيامٍ أن ما يسميه البعضُ بالحضارِة الغربيةِ ليس (غربياً) بشكلٍ صرف وإنما هو مزيجُُ من الحضارةِ الإنسانيةِ ذات الروافدِ والمحطاتِ المصريةِ والصينيةِ والسوماريةِ والفينيقيةِ والعبريةِ واليونانيةِ والرومانيةِ والعربيةِ مع حقيقةٍ لا جدال فيها وهي أن المحطةَ الحالية وهي قمة مسيرة التمدن الإنساني لابد وأن تكون قد إصطبغت بمعطياتٍ من مكانها(الجغرافي) وهو الغرب – وبالتالي فإنها حضارةٌ إنسانيةٌ في شقٍ منها وغربيةٌ بحت في شقٍٍ آخرٍ. إلاَّ أن أعظمَ إنجازاتِ هذه الحضارة في مجالات الإبداع الفني والأدبي والفكري هي أقربُ إلى الشقِ الإنساني في الحضارة الغربية من الشق الغربي / الغربي. ولا يملك من درس بتعمقٍٍ الحضارةَ المصرية القديمة ولاسيما الجزء المتعلق بالضمير والأخلاق فيها (وهو ما جعل جيمس هنري برستيد يسمي مصر "فجر الضمير" وليس فجر التقدم) كذلك لا يملك من درس بعنايةٍ دورَ ومساهمة الحضارة السومارية في تكوينِ الأطر القانونية والتشريعية وتطوير فكرةِ الإنسانِ عن الله (فأول هؤلاء هو كلداني من أبناء تلك الحضارة وهو "إبراهيم النبي") وكذلك من درس الشق المتعلق بالقيمّ في الحضارةِ الصينيةِ والشق المتعلق بالفلسفةِ في فترةِ التزاوج اليوناني المصري ثم اليوناني البحت وكذلك من درس ابن رشد ثم بواكير فلاسفةِ عصر النهضة – لا يملك من درس ذلك باستفاضةٍ وحبٍ واستغراقٍ إلاَّ أن يرى (القناة الإنسانية المتواصلة) والتي تتعلق بالضمير والأخلاق أكثر مما تتعلق بالمباني والمنشآت والإنجازات العلمية . وأضيفُ لما سبق ان أكبر إنجازٍ-على الإطلاق – لمسيرةِ التمدن الإنساني لا يتمثل في التقدمِ العلمي والتكنولوجي وما طرأ من مستحدثاتٍ مذهلةٍ في هذه المجالات وفي علوم الطب والفضاء وثورة الاتصالات الحديثة ؛ إذ أن ما هو أكبر وأجل من ذلك كإنجازٍ لمسيرةِ التمدن الإنساني إنما يوجز فيما يلي:

أولاً : الديموقراطية .
ثانياً : الحريات العامة .
ثالثاً : حقوق الإنسان .
رابعاً : احترام الغيرية (قبول الآخر).
خامساً : فتح آفاق التواصل بين بني البشر على كافةِ المستوياتِ الذي يسميه البـعضُ العولمـة وان كنت أمـيل لكـون هذا المعني الآني هو معنى متوحش وغير قائم على أسـاسٍ إنسانيٍّ قويٍّ بل على أساسٍ اقتصادي بحتٍ وهو ما سوف يتغير .
سادساً : تطوير التعليم واتساع مجالاته بالشكل العصري المتقدم الذي يخدم في عددٍ كبيرٍ من المجتمعاتِ القطاعَ الأوسع دون الاقتصار على خدمةِ الصفوةِ.

في اعتقادي أن هذه الثمار الست لمسيرةِ التمدنٍ الإنساني هي من جهةٍ أعظمُ إنجازاتِ الإنسانِ على الأرض وهي من جهةٍ ثانيةٍ "إنسانية" في المقام الأول وهي من جهة ثالثة مدينةُُ بدرجةٍ ما للحضارةِ الغربية لأن على مسرِحها نمت (وان لم تكن ثمرةً غربيةً صرف).

ولكن كل ما ذكرته لا يعني بأي شكلٍ من الأشكال أن هذه الإنجازات الستة لمسيرة التمدن الإنساني قد اكتملت أو نضجت أو حتى بلغت نصف درجة النضج المنشودة – فهي لا تزال إما محلية (أي متوفرة في بعض الأمكنة دون غيرها) أو متشحة بطابعٍ لا يخفي من الازداوجية (أي الكيل بمكيالين) أو أخيراً إعتقاد البعض أنها ثمارُُ تصلح لهم دون سواهم – ونحن هنا أمام (همجية فكرية) لها أسبابها المعروفة لدارسي الحضارة الغربية وبالتحديد للعارف بوضوحٍ بأَثرِ المكوّن الانجلوساكسوني (الفايكنج) على الحضارة الغربية والذي يأخذ شكله الفج المطلق فيما أُسميه (ثقافة رعاة البقر) – وهو ما سأعود إليه مرةً أُخرى .

وفي إعتقادي أن ما إعترض طريقَ ومسيرة تطور هذه المفاهيم الستة (الإنسانية) خلال المائة سنة الأخيرة وجعل منها مزايا للبعض دون الآخرين يمكن أن يوجز في أسبابٍ خارجيةٍ وأسبابٍ داخلية :

أما أهم الأسباب الخارجية فهما "الوعكة الماركسية" التي أنتجها الغربُ ولكنها أصابت مسيرةَ التمدنِ الإنساني في عددٍ كبيرٍ من المجتمعاتِ بنكسةٍ على طريقِ تحقيقِِ وإنماء وإثراء وتأصيلِ الإنجازات الستة المذكورة ثم (بعد موت الماركسية) حقيقة أن قيادةَ الحضارةِ الغربية قد خرجت من أماكنٍ كانت توجد فيها توازنات ما بين القوة والثقافة (أو بين القوة والمحصول المعرفي) إلى مكانٍ آخر يتسم بفرطِ القوةِ وضحالةِ الثقافةِ وغلبةِ المعلوماتية على المعرفةِ (وما أوسع المسافة بين المحصول المعلوماتي والمحصول المعرفي).

أما الماركسية فهي بالنسبة لشخصٍ مثلي عاش مع أدبياتها وتجاربها عدة سنوات وكتب ثلاثة كتب في نقدها (نقداً وصفه كاتب أمريكي منذ أيام بصحيفة أمريكية مشهورة بأنه نقد للماركسية بأدواتها الفلسفية) فأنها (أي الماركسية) منتجٌ أوربي صرف من واقع أوربي بحت – وأعني بذلك أن الواقعَ الأوربي في القرن التاسع عشر هو ما أنتج الماركسية، وان كل نظرة للماركسية كتنظيرٍ فوقي للتاريخ هو خطأ بيّن ومخالف لأبجاديات قوانين الهيجيلية التي على أساس منها شُيد البناء الماركسي. ومن ناحية أخري فقد اثبت عشراتُ الدارسين المتعمقين الصلةَ الوثيقة بين (أوربا القرن التاسع عشر) وبين (الفكر الماركسي) . ونظراً لأن معطيات القرن التاسع عشر قد تغيرت كثيراً جداً فقد كان من الطبيعي ان تموت الماركسية بعد 107 سنة من موت مؤسسها العبقري (مات كارل ماركس في سنة 1883 وماتت الماركسية سنة 1990). وإذا أراد البعضُ أن يعرف الصلة الوثيقة بين (ظروف أوربا خلال القرن التاسع عشر) وبين (الماركسية) فهناك أكثر من ألف دليل يمكن ان يقدم ولكنني أكتفي بدليل واحد وهو كتاب (حالة الطبقة العاملة البريطانية في سنة 1844) الذي وضعه فريدريك إنجلز بطلبٍ من كارل ماركس ليدرك كم أن الصلة وثيقة بين مفردات القرن التاسع عشر في أوروبا وبين الماركسية ولكي يدرك أيضاً انه بزوال تلك الملامح التي كانت تكسو وجه أوربا في القرن التاسع عشر فقد كان من المحتم أن تنقشع الوعكةُ الماركسية التي أصابت الحضارةَ الغربية وان كان انقشاعُها في أوروبا أكمل وأشمل من انقشاعها في دول العالم الثالث لأسبابٍ موضوعيةٍ يجب دراستها واحترامها (دون الموافقة بالضرورة عليها).

وباختصار شديدٍ فإن الماركسية وان كانت في المقام الأول والأخير كانت تبحث عن (العدالة الاجتماعية) إلاّ أنها طمست بأقدامها الكبيرة القيم الستة التي ذكرتها من قبل ووصفتها بأنها أعظمُ إنجازات الحضارة الإنسانية (في طورها الغربي) وهو أمر مأساوي لأن العكس كان ينبغي أن يكون هو حقيقة الحال ، بمعنى ان أصحابَ المذهبِ الذي يتوخى العدالة الاجتماعية كان ينبغي أن يكونوا أكثر إثراءً وتدعيماً لتلك القيم الست لا ان يدوسوها بأقدام التجارب الماركسية الباطشة – وليس هذا المقال مكتوباً من أجل هذه الجزئية ، فالاهتمام بالماركسية اهتمام بالماضي وجل اهتماماتي بالمستقبل لا بالماضي.

أَما العقبةُ الكئود الثانية التي تقف في طريق القيم الست التي وصفتها بأنها أكبرُ إنجازاتِ مسيرةِ التمدن الإنساني فهي حقيقة أن قيادةَ العالمِ اليوم قد آلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهي أضعف أطراف أو أعضاء نادي الحضارة الغربية ثقافة رغم قوتها المادية العارمة ومكنها العلمية الهائلة ومحصولها المعلوماتي الذي يشبه المحيط الواسع ولكنها تبقى أفقر أعضاء نادي الحضارة الغربية من حيث المحصول الثقافي والمعرفي ويبقى أعضاءُ الطبقات العليا في مجتمعها أكثر أعضاء الطبقات العليا في المجتمعات الغربية إثارة للرثاء من ضحالةِ تكوينهم الثقافي وهزال محصولهم المعرفي وخلطهم الغريب بين (المعلومات) و(الثقافة والمعرفة) – وفي اعتقادي أن هذا الواقع هو ما يجعل الملايين من المثقفين في العالم الثالث تكفر بما تنادي به الولايات المتحدة من ديموقراطية وحقوق إنسان وخلافه – فالفقرُ الثقافي المذهل للولايات المتحدة (شعباً وحكوماتٍ) والاتسام الشديد بقدرٍ من البرجماتية المتوحشة والتي تجعل نيقولا ميكيافيللي يشعر بالحسرة على فقدانه لمكانته إلى جوارها – وهي برجماتية نجمت في المقام الأول عن طغيان القوى في غيبة الثقافة بالإضافة الى الأصول الفايكنجية، وهو ما يسهل ويسوغ دمغ الولايات المتحدة الأمريكية بأن حديثها عن كل تلك القيم الست ليس حديث مبادئ لكثرة الكيل بمكيالين وتغير طريقة التعامل بناءً على اختلاف الظروف والمصالح – وهي ظاهرة إنسانية ولكنها تبلغ درجات الفحش العليا عندما توجد أكبر قوة مادية في الكون إلى جوار أكبر هزال ثقافي في تاريخ الأمم الكبرى.

ولا شك عندي أن الجوهر الحقيقي لهذه القيم (الديموقراطية/ الحريات العامة /حقوق الإنسان / الغيرية/ سقوط الحدود بين الدول والمجتمعات / التعليم العصري القائم على ذكاء الإبداع لا التلقين ) لا يمكن أن يكون محلَ خلافٍ – ولكن المأساة تكمن في تلك الفجوةِ الهائلةِ بين (أكبر الدعاة لهذه القيم ) وبين (سلوكياته) – فالثانية تكيل بمكيالين وتتحرك بدوافع المصالح الاقتصادية الآنية حتى لو تضمن ذلك الوطء بالقدم على كل المبادئ والقيم مع غيابٍ شبهِ كاملٍ للثقافة وراء معظم التوجهات والقرارات مع عنصريةٍ ليست بعيدة عن السطح البراق اللامع بل وأجزم بوجود مكوّناتٍ ثيوقراطية هائلة وراء الواجهة المدنية العلمانية الحديثة – وهو ما يجعل "تسويق المبادئ الستة" مهمة بالغة الصعوبة (لرداءة سلوك البائع !! وازدواجيته وميكافيليته وسطحيته وعرقيته …إلخ ).

لقد أمضيت بضعة أسابيع أُحاضر بعددٍ من أكبر جامعات الولايات المتحدة وأهم مراكز بحوث الشرق الأوسط بها – وأشهدُ أنني وجدت زخماً هائلاً من "المعلومات" عن الشرق الأوسط – ولكنني أشهدُ أيضاً أنني لم أجد بين أكثر من ألف أستاذ وطالب دكتوراه حضروا محاضراتي تلك شخص واحد يمكن أن يوصف بأنه مثقف من مثقفي الرينسانس كما نجد في جامعات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا – وأكرر أنني لم أَلتق باستثناءٍ واحدٍ فقط وإنما التقيت بباحثتين غارقين في "المعلومات" دون تكوين معرفي وثقافي إنساني (يقوم على المعرفةِ الواسعةِ بكلاسيكيات الإبداع الإنساني خارج دوائر العلوم التطبيقية). وهو ما يجعل أمريكا – بشكل حتمي – تتورط في أخطاءٍ كبرى مثل وقوفها بكل ثقلها خلف الحركة الثيوقراطية في إيران خلال الستينات (لإقامة توازن وهمي مع حزب تودة الماركسي) ثم انتقالها لموقفٍ معاكسٍ تماماً بعد ذلك . وكذلك مثال أفغانستان ، الذي كانت الولاياتُ المتحدة فيه وراء إنشاء وبروز القوى التي تقف الآن وراء "الخرابٍ المهولِ" في أفغانستان … وثمة أمثلة أخري عديدة من زائير في أفريقيا لجمهوريات الموز في أمريكا الجنوبية لنظم قرون أوسطية بأكثر من قارة من قارات العالم (وما قصة علاقة الولايات المتحدة بعمر عبد الرحمن ببعيدةٍ عن الأذهانِ أو الزمانِ).

ويبقى السؤَال : وما العمل ؟ .. ولا جواب إلاّ بكلمة واحدة "الحوار". فالمسئولية مسئوليتنا نحن لكي نتواجد على الساحة الأمريكية ونعمل بأدوات العصر (كما يعمل الآخرون ) ونواصل العمل والجهد التراكمي (مع العمل المشترك مع أوروبا التي تتسم بتوازنٍ مختلفٍ بين القوةِ والثقافة) في محاولةٍ لإنقاذ "عربة البشرية" من نزق سائق بالغ القوة المادية ومشوّش الرؤية بسبب طفولته المعرفية وهزاله الثقافي. ولكن هل يعني أي شئ مما ذكرته في مستهل هذا الفصل من أن الذين يرفضون التسليم بأن هذه الإنجازات الستة هي حقيقة أعظم إنجازات الإنسانية كلها – هل يعني رفضهم لذلك بسبب سلبيات الموقف الأمريكي منذ أصبحت الولايات المتحدة قوى عظمي رئيسية منذ سنة 1945 وقوى عظمى وحيدة منذ سنة 1990- هل يعني ذلك أنهم على حقٍ أم أنهم تنطبق عليهم الكلمة العربية المأثورة (كلمة حق أريد بها باطل)؟ – في يقيني أن هؤلاء الرافضين ينقسمون إلى أربعة فرق: أما الفريق الأول فيضم ما تبقى من معسكرات الاشتراكية الفكرية بسائر توجهاتها، وأما الفريق الثاني فيضم من درج الدارسون على تسميتهم بالأصوليين الإسلاميين وهم في الحقيقة مجرد حزب سياسي قرون أوسطي ولا علاقة لهم بالدين إلا إستعمالهم للدين كستارٍ ورداءٍ جذاّب كما إستعملت اليهودية من طرف يهود علمانيين لتنفيذ المشروع الصهيوني و أما الفريق الثالث فيضم من جعلهم المناخ العام أعداء تلقائيين للحضارة الغربية بوجه عام وللولايات المتحدة بوجه خاص دون انطلاقهم من أيديولوجية اشتراكية أو أصولية و إنما من حقيقةٍ بسيطةٍ تتمثل في شعورهم بفشل المشروع العربي النهضوي ثم المشروع العربي القومي وكونهم أسرى شعور جارف بأن ما يحدث لهم هو نتيجة مباشرة لتآمر الغرب عليهم وليس لوجود بذور وعوامل الضعف في جانبهم وجانب مجتمعاتهم . وأما الفريق الرابع والأخير فيضم أنصار مشروع المجتمع المدني .

أما أعضاء الفرق الثلاثة الأولى فإن رفضهم للإنجازات الستة لمسيرة التمدن الإنساني إنما ينبع من اشتراكهم في بعدٍ واحدٍ هو البعد الفاشي والذي يتسم به كل الذين يعتقدون أن منهجهم الفكري هو منهج كامل بينما يدمغون منهج الحضارة الغربية بأنه منهج ناقص . والحقيقة انه لا يوجد منهج إنساني واحد كامل، وميزة الحضارة الغربية عنهم هنا أنها تعلم أنها ناقصةٌ وأن إنجازاتها الستة الكبرى المذكورة هي أيضاً إنجازات ناقصة أي رهن التطور والنمو وان كانت هناك عوامل في كل الجبهات تعمل على تأجيل أو تقليص نمو هذه الإنجازات. إن أعضاء الفرق الثلاثة الأولى يرفضون الإنجازات الستة بحجة رفضهم لممثلها الأول (الغرب بوجه عام والولايات المتحدة بوجه خاص) - وهم بذلك يظهرون بجلاء حقيقة اتسامهم بالفاشية إذ أنهم من جهةٍ لا يعرضون بديلاً أفضل من تلك الإنجازات الإنسانية الكبرى (الناقصة) وهم من جهة ثانية يخلطون بين الدعوة (الإنجازات الستة ) والدعاة ( الغرب بوجه عام والولايات المتحدة بوجه خاص ) وهم من جهة ثالثة لا يظهرون اعتراضاً مماثلاً على حقائق في مجتمعاتهم كان الحرى بهم أن يرفضوها بنفس درجة رفضهم لعدم مصداقية الدعوة الأمريكية للمبادئ الإنسانية الستة بسبب ما يعتري المسلك الأمريكي من ازدواجية وكيل بمكيالين وانتهازية كبيرة وتمييع للمبادئ عندما تتعارض مع المصالح.

أما الفريق الرابع فهو الفريق الوحيد الذي يقبل كون هذه الإنجازات الستة اعظم إنجازات الإنسانية دون أن يمنعه ذلك من رؤية انعكاسات سلبيات الغرب بوجه عام والولايات المتحدة بوجه خاص على تأصيل إنسانية هذه الإنجازات ولكنهم في نفس الوقت يرون الأسباب الداخلية في مجتمعاتهم والتي تعمل في نفس الوقت على التقليص من ذيوع وشيوع وتعميق هذه الإنجازات الستة كإنجازاتٍ حضاريةٍ لكل البشر وأهم تلك الأسباب الداخلية انعدام (أو ضآلة) الحريات العامة والديموقراطية وغياب فعاليات الحراك الاجتماعي والفساد السياسي والمالي في معظم مجتمعاتهم .

إن كاتبَ هذه السطور يؤمنُ بضرورةِ توجيه النقد (بل وأشد النقد) للحضارة الغربية سواءً في شقها الأوروبي أو في شقها الأمريكي نقداً يهدف لإبراز جوانب النقص في "إنسانية ومنطقية" دعوة الغرب للمبادئ الستة التي اعتبرتها اعظمَ إنجازاتِ الحضارةِ الإنسانيةِ (والحضارة الغربية أيضاً) . ولكنني أعتقدُ أن معظمَ الذين يمارسون هذا النقد من كتابِ وأصحاب الأقلام والأكاديميين في العالم الثالث إنما يمارسونه ليس بهدف الوصول بهذه المبادئ الستة لمستوى التطبيق الإنساني الرحب عل الكافةِ ومن أجل البشر بصفتهم بشراً، وإنما بهدف الإبقاء على ما هم عليه وما هم فيه من نظمٍ مخاصمةٍ للعصر والتقدم والإنسانية – نظم لا يهمها في كثيرٍ أو قليلٍ أن تنمو هذه المبادئ الستة وتزدهر وتصبح حقوقاً لكل الإنسانية وليس لإنسانِ الحضارةِ الغربية الأبيض وحدهِ. ولا يوجد دليل على صحة هذا الزعم أقوى وأظهر من كونهم من جهةٍ لا يدعون لهذه المبادئ على الإطلاق وانهم من جهةٍ ثانيةٍ يقبلون (في واقعهم) بالكثير مما يناقض ويناهض هذه المبادئ دون أن نسمع منهم نفس الاعتراض على معطياتِ واقعهم الخالية ( في كثير من الأحيان) من معظم مفردات هذه المبادئ الستة. ومعني ذلك، أن هناك فارق مهول بين من ينقد الغرب بوجهٍ عام وأمريكا بوجهٍ خاص لكونهما محاميين يتسمان بكثيرٍ من الزيف لمبادئ سامية يريدون أن تكون ثمارُها العظمى لهم دون سواهم وبين من ينقد الغرب بوجهٍ عام وأمريكا بوجهٍ خاص لكي يُبقي على أحوال العالم الثالث كما هي زاخرة بكل ما يتنافى مع تلك المبادئ الستة والتي هي فخر مسيرة التمدن الإنساني الأكبر – بل إن بعضَهم يمارس هذا النقد لحساب بدائلٍ موغلةٍ في التأخرِ والتخلفِ ومخاصمةِ العصرِ والعلم والمدنية والإنسانية وتُعد لشعوبها عربةَ الرجوعِ إما للقرون الوسطى وإما لأسوار الشمولية التي ضيعت في العديد من البلدان أجيالاً كاملة عاشت وماتت دون أن تنعم بأقل القليل من ثمار هذه المبادئ الستة – وكان ذلك لمصلحةِ قلةٍ من الطغاة الأوتوقراطيين الذين حكموا باسم "الشعب" – ذلك "الكيان الهلامي" الذي لم يكن له وجود أبداً إلا في الخطب الرنانة – أما على أرض الواقع فلم يكن هناك إلاَّ أفراد بؤساء فقراء محرومون بالكلية من أبسط حقوق الإنسان ويمن عليهم بأنهم يطعمون ويعلمون ويوظفون ويؤجرون!!

وإذا أردنا أن نتحول من " العموميات " إلى "الآليات" ، فإن السؤَال الأهم يكون: وكيف يمكن أن نفصل بين إيماننا بقيمة وسمو هذه المبادئ الستة ورفضنا لكون الحضارة الغربية بوجهٍ عام وأمريكا بوجهٍ خاص هي "محامي زائف" عن أمور بالغة العظمة والإنسانيةّ- والجواب الوحيد هو: بتعاظم وجود وأدوار هيئات المجتمع المدني. بل أننا بذلك لا نضمن وجود هذا "الفصل الهام" بين إيماننا بسمو هذه المبادئ وبين إدانتنا لمن يتسم سلوكُهم وهم يزعمون انهم أكبر ممثلي هذه المبادئ بالازدواجية والزيف والانتهازيةٍ والميكيافيلية، بل أننا في نفس الوقت نوجد "التحصين الوحيد" لمجتمعاتنا من السقوط كلية في يد إحدى القوى التي يزعم قوادُها أنهم "ملاك الحقيقة المطلقة" ؛ فكل هؤلاء فاشيون ولا قبل لمجتمعاتنا بالتحصن من مضار استشرائهم في الحياة العامة إلاَّ بالعمل الدوؤب على تنمية المجتمع المدني ومنظماته وهيئاته – فالمجتمعُ المدني صاحب مصلحة لا شك فيها في العمل من أجل ترسيخ هذه المبادئ الستة وصاحب مصلحة لا شك فيها في حماية المجتمع من كل قوى الظلام والشمولية والتأخر – كما أنه – ثالثاً- صاحب مصلحة لا شك فيها في الدفاعِ عن الجوانبِ الإيجابية في خصوصياتنا (هويتنا) الثقافية .
(الأهرام 21/6/2000) .