هوامش ثقافية على موضوع العولمة .


كثرت في واقعنا خلال السنوات القليلة الماضية الكتاباتُ والمحاضراتُ والأحاديثُ التي تنصبُ على العولمة . وللأسف الشديد فإنه باستثناء عددٍ قليلٍ للغاية من الآراء التي جاءت صائبةً وواقعيةً ، فإن معظم ما نُشر وقيل جاء متسماً بعيوبٍ فكريةٍ بالغة الخطورة . فالعولمةُ – في الحقيقة – تعني أن الحضارة الغربية ، والتي تجلس الآن على مقعد السائق بالنسبة للطور الحالي من أطوار المسيرة البشرية عازمةٌ على أن تقنن العديد من القواعد التي تنظم أكثر من مجالٍ من مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والقانونية والثقافية . فالحضارةُ الغربية المنتصرة ، والجالسة على مقعد القيادة (حالياً) عازمةٌ على أن تسير المعاملاتُ الاقتصادية والتجارية والصناعية والعديدُ من المسائل والشئون السياسية والقانونية والثقافية (ومن بينها حقوق المؤلف بالمعنى الواسع) وفق القواعد التي ترسخت في ظل الحضارة الغربية التي تبوأت مقعد القيادة على مستوى العالم خلال القرون الأربعة الأخيرة – وإن كانت قيادةُ هذه الحضارة قد إنتقلت من شرق المحيط الأطلسي إلى غربه خلال العقود الخمسة الأخيرة .

فإذا كان ذلك كذلك ، فإنه يكون من العبث حديث البعض (وممن لم يمارسوا في الحياة إلا القراءة والكتابة) عن العولمة ، وكأنها فكرةٌ مطروحةٌ للنقاش والجدل . فالواقعُ ، أن العولمة ليست "فكرةً" مطروحة للنقاش والجدل ، وإنما هي "أمرٌ واقع" تحاول الجهاتُ التي تتبوأ قيادة العالم الغربي ، والتي تتبوأ في نفس الوقت مقعد السائق – كما ذكرت – على مستوى المسيرة البشرية العالمية ، أمر واقع تعمل هذه الجهات (وأولها الولايات المتحدة الأمريكية) على فرضه وتعميمه بجوانبه الاقتصادية وبجوانبه الأخرى العديدة ومن أهمها الشق الثقافي والفكري.

وهكذا ، تكون العولمةُ أبعد ما تكون عن فكرةٍ مطروحةٍ للنقاش ، وإنما أشبه ما تكون بظاهرةٍ طبيعيةٍ كالزلازل أو البراكين التي من العبث أن نناقش هل هي أشياء جيدة أم سيئة ، والصواب أن نعمل على التعامل معها أفضل وأنجح تعامل ؛ لأن البشر يختلفون في مواجهة وكيفية التعامل مع الواقع ، ولكن المصيبة تكون كاملةً وشاملةً عندما يحاولون مناقشة أيقبلون أم يرفضون الزلازل والأعاصير والبراكين ، لأنهم من جهةٍ لا يملكون معطيات تغيير الواقع كما أن تركيزهم على محاولة التغيير المستحيلة تجعلهم لا يعملون في المجال الوحيد المتاح وهو التعامل الذكي والأمثل والأكثر مردودية وفائدة مع الواقع ومحاولة خلق هامشٍ جيدٍ لقيمتهم المضافة في ظل هذا الواقع ، والذي لم ولن يسألهم أحد (ممن يملكون المقادير) عن رأيهم فيه .

ولعل أبلغ ما كتب في هذا المجال هو ما كتبه أستاذٌ مرموقٌ للعلوم السياسية هو الدكتور/عليّ الدين هلال عندما قال: أن العولمة تشبه قطاراً تحرك بالفعل بينما لا يزال البعضُ يتساءل هل وجود وحركة هذا القطار شرعية أم لا ؟ بينما لا يوجد من سألهم عن شرعية وجود وحركة القطار كما أن سؤالهم (وكل قدراتهم) لا تملك أن تمنع وجود وحركة القطار بأي شكلٍ من الأشكال .

ومما يزيد الطينة بلة في هذا الصدد أن عدداً كبيراً من مثقفي العالم العربي من أصحاب الخلفية اليسارية ، وهو ما يملي على الكثيرين منهم أن يخلطوا بين (ما هو كائن) (وما ينبغي في عالم مثالي أن يكون) . وهي سمة من سمات الفكر اليساري لها نبلها وبعدها الإنساني والاجتماعي غير المنكور ، ولكنها سمة تضرب في عالم المستحيل والخيال بقدر ما تبعد عن عالم الواقع المحكوم بالحقائق والصراع . كذلك يزيد من تعقد الظاهرة التي يتناولها هذا المقال أن العقل العربي المعاصر يرى أن (القول) نوع من (الفعل) – والحقيقة على خلاف ذلك، فالقول مجرد قول والفعل أمر آخر . إلا أن الواقع المؤسف يؤكد أن ثقافتنا المعاصرة أصبحت تُضفي قدراً كبيراً من التقدير والاعتراف بالنبل على (القول) ناسيةً أن ما ينتظر في بعض المجالات هو (الفعل) ولا شئ سواه . وباختصارٍ شديدٍ ، فإن العولمة قد تكون شراً وقد تكون حقاً ممزوجاً بالباطل والإغراض ، وقد تكون امتداداً للهيمنة والسيطرة والنفوذ ، ولكنها في النهاية واقعٌ لا يجدي الجدل معه ، ومن غير المنطق والعقل مناقشته ، وإنما العمل الجاد والكفء والدؤوب والمنطلق من معرفةٍ ورؤيةٍ صائبة على التعامل المفيد مع هذا الواقع لأن مواصلة الشجب والرفض ستجعلنا نكرر مواقفنا الشهيرة وآخرها شجب الهجوم الأمريكي الأخير على العراق – وكأننا سُئلنا أو كأننا بشجبنا نملك ذرةً من القدرة على تغيير الواقع ، مثل الموقف الياباني من الولايات المتحدة ، ومثل الموقف الأوروبي أيضاً من الولايات المتحدة ، وهي مواقف لا تقوم على "الأقوال" وإنما "الأفعال" والأفعال المتسقة مع قواعد اللعبة وليس الأفعال الحمائية الخائبة .

ومن المؤكد أن كل النظم الحمائية التي عرفناها خلال العقود الخمسة الأخيرة في الحياة الاقتصادية سوف تُزال واحدةً بعد الأخرى وستكون قواعدُ اللعبة مختلفةً ، ولن يكون هناك شئ مفيد إلا نظام فعّال للتعامل مع الواقع الجديد – نظام من (الأفعال) ، وليس من (الأقوال) ومفردات الشجب والعويل ولطم الخدود والبكاء على اللبن المسكوب . ومن المؤكد أيضاً أن سدود وحوائط الحماية الثقافية سوف تخترق (شجب البعضُ العولمة أو لم يشجبوها) ولن يكون هناك وضع صحي وقوي إلا لأولئك الذين ركزوا جهودهم لا على رفض الظاهرة بل على التعامل الفعّال والمجدي والأكثر فائدة ومردودية معها .

وإذا نظرنا للأمور من جهةٍ هامةٍ أُخرى هي جهة "الإدارة" والتي هي مفتاح النجاح الوحيد للمؤسسات والمشاريع الاقتصادية التي تنتج سلعاً أو خدمات ، فإن المؤكد أن نموذج المدير الذي يرفض (بفكره أو بمفردات تكوينه الإداري) حقائق العولمة ، هذا النموذج لن يكون بوسعه الصمود أمام أمواج الواقع الجديد والتي ستكنسه كنساً وتلقي به في مكانٍ (ومكانةٍ) بالغيّ التأخر. أما النموذج الذي سينجح في تكوين قيمة مضافة لمشروعاته فهو النموذج الذي اعترف بالواقع وتمكن من مفرداته الإدارية بما يكفل لمؤسساته المنافسة وتحقيق عوائد معقولة دون أن تكنسه أمواج الواقع . وقد تبدو هذه الجزئية - للبعض – ذات أهمية متواضعة ، ولكن كاتب هذه السطور ومن خلال تجربة طويلة في عالم الإدارة في واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية في العالم يعتقد أنها جزئيةٌ ذات أهمية وفائدة عملية قصوى بالنسبة للاقتصاد المصري في طوره الحالي . فكل الخبرات والقيادات الإدارية التي تفتقر للبعد الدولي بوجه عام ولا تستوعب بوضوح جوهر العولمة (كظاهرة يمكن التعامل معها ولكن يستحيل رفضها وإلغاؤها) هذه الخبرات والقيادات ستكون قادرة على قيادة مؤسساتها صوب النجاح المنشود والنمو المستهدف.

وإذا ابتعدنا قليلاً عن المجال الاقتصادي والمجال الإداري ، فإن نفس المنطق سوف ينطبق على مجالاتٍ أخرى عديدة كالتعليم والثقافة والإعلام . فقيادات هذه القطاعات أمامها طريقان : طريق يتبنى فلسفة "شجب العولمة" والوقوف أمامها وكأنها "فكرة رديئة مطروحة للجدل" وطريق آخر لا ينشغل باستحسان أو باستهجان "العولمة" لإيمان أصحاب هذه الطريق بأن العولمة (في كل الأحوال) واقع حادث وما يهم أصحاب هذه الطريق هو أن يكون لهم منهجهم في التعامل مع هذا الواقع وبأفضل السبل وأكثرها فائدةً ونفعاً . ولا شك أن سلوك الطريق الأولى سيأخذ المجتمع (فكرياً وثقافياً) إلى عزلة عن العالم وسيقيم بين عقول أبناء المجتمع والعالم الخارجي سدوداً عالية تحول دون التعامل مع هذا العالم الخارجي وتجعل لغة الحوار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي والثقافي معدومة الوجود .

أما الطريق الثانية فستقود المجتمع إلى نفس محطات التقدم والاستقرار والازدهار التي عرفتها المجتمعاتُ التي لم تغريها لغةُ التحدي (المستحيل) وبريق الكبرياء (الذي لا يمكن أن يتحقق بالكلمات والشعارات والمواقف الانفعالية) .
(من كتاب "الثقافة أولاً وأخيراً" –2000).