المستقبل : ننتظره .. أم نصنعه ؟


لو خرج نيلسون مانديلا من السجن بعد ثلث قرن من الزمان وهو يحمل في عقلِه وقلبِه صيغةٍ إنتقاميةً من خصومِه وسجانيِه البيض...ولو أنه حمل في رأسه يومئذ صيغة سياسية تقوم على عدم الإعتراف بشرعية خصومه (البيض) لما وصل مانديلا للمكانة التي وصل إليها ولما وضع أسمه في هذه الرتبة العالية بين أكبر أسماء القرن العشرين.

لقد خرج مانديلا من السجن بصيغة تقوم على إعتراف السود بشرعية وجود البيض وعلى إعتراف البيض بشرعية وجود السود وكانت تلك هي الصيغة الوحيدة البديلة لحرب أهلية. وسوف ينسى التاريخ أن مانديلا كرئيس دولة كان أبعد ما يكون عن الكفاءة الإدارية وسيذكر له فقط تلك (الرؤية) التي أوجدت حلاً لصراع دامي طويل وأوجدت لصاحبها مكانة عظمى في التاريخ. وفي ظني أن أنور السادات قد سبق مانديلا في ذلك: فرغم سوء إدارته لمعظم المسائل الداخلية فقد أدرك بفطنة مذهلة انه لا يوجد حل عسكري للصراع العربي الإسرائيلي، وأن كل محاولات حل هذا الصراع بالأدوات العسكرية ستؤدي إلى مزيد من الدماء على الأرض وجبال من الكراهية هي أحط أنواع المشاعر الإنسانية ومنبع أسوء ردود الفعل العملية. أدرك أنور السادات أن على العرب والإسرائيليين أن يتبادلوا بصدق وجدية وفاعلية الإعتراف المتبادل بشرعية كل منهما – رغم الصعوبة البالغة لذلك عند البعض. إن عبارة السادات بأن حرب أكتوبر 1973 هي أخر الحروب بين مصر وإسرائيل ذات عددٍ من المعاني أهمها الإعتراف المتبادل بالشرعية من الجانبين – وهو إعتراف بدونه قد توجد إتفاقيات يتم التوقيع عليها ولكن لا ولن يوجد سلام حقيقي بدون هذا الإعتراف المتبادل بالشرعية من الجانبين على نمط ما حدث بين السود والبيض في جنوب أفريقيا وعلى نمط ما حاول السادات أن يقدمه ولكن الذين كانوا يعانون من نقص الرؤية أو من الخوف (على الجانبين) عجزوا عن فهم أن هذا الإعتراف المتبادل بالشرعية هو البديل الوحيد لأنهار الدم البشري وسحب الكراهية السوداء. وللأسف الشديد فإن الأجواء العامة في المنطقة لم تعمل خلال السنوات العشرين الأخيرة إلاَّ من أجل نقيض ما قام به مانديلا في أفريقيا الجنوبية وما سبق إليه السادات ...ولكن إنجاز ذلك يبقى ممكناً ولا يتطلب إِلاَّ وجود رجلين : أحدهما على الجانب الفلسطيني والآخر على الجانب الإسرائيلي يكرران رسالة مانديلا والسادات ...وإذا تساءل البعض: هل هذا فرض واقعي اليوم؟ …فإن الجواب هو أن ذلك الفرض الذي يبدو مفرطاً في الخيال هو البديل الوحيد عن عقود من الدم والعنف والكراهية والهدم.

إن دور السياسي هو إرضاء ناخبيه أما دور القائد فهو أن يقود لا أن يقاد وان يثبت للناس أنه قادهم للخير والصواب.

* نُشر هذا المقال بجريدة "الميدان" القاهرية يوم الخميس 5 يونية 2003 وقام عدد كبير من مواقع الإنترنت بإعادة نشره كان أولها موقع Elaph (الموقع الخاص بوكالة الأنباء الفرنسية باللغة العربية) يوم السبت 31 مايو 2003 كما قامت جريدة Ha’aretz الإسرائيلية بنشر ترجمة عبرية له في عددها الصادر يوم الأحد 8 يونية 2003.