حواراتنا .. بين الحضارة والفاشـية .


يتفق الدارسون الأجانب للشئون المصرية المعاصرة على حدوثِ تدهورٍ كبيرٍ في لغةِ الحوار في مصرَ لا سيما عندما توجد وجهتا نظر مختلفة حول شأن من الشئون الهامة . وقد استغرقني التفكير في هذه المسألة مرات ومرات خلال السنوات الأخيرة . وعندما حاولت تقصي موضوع "مستوى لغة الحوار" في العشرينات من هذا القرن ، فوجئت بأن اللغة المتدهورة التي كنت أظنها من منتجاتِ العقودِ الأخيرةِ كانت موجودةً في دوائر معينة من الحياة الثقافية في مصر . وأبسط دليل على وجود هذه اللغة مجلدات مجلة الكشكول التي غرقت في مراجعة أعدادها التي صدرت خلال السنوات الأربع من 1923 ، فوجدتها عامرة بنفس أساليب الكتابة التي كنت أظنها لم تُوجد في حياتنا الثقافية إلا خلال العقود الأخيرة فقط . ولكن طول التحليل للمواد العديدة المنشورة خلال عشرينات هذا القرن أوضحت لي أنه كان بحياتنا الثقافية "تيار أساسي" يشبه في حواراته حوارات الغرب المتقدمة ولكن كان بمحاذاته (وعلى مستوى من الأسماء أقل شهرة) تيار آخر يماثل في لغته وأساليب حواره ما نشكو منه اليوم . فعندما نشر طه حسين كتابه الشهير (الشعر الجاهلي) كانت هناك كتابات رصينة ترفضه وتنقده ولكن إلى جوارها كانت هناك كتابات هابطة لا تدخل إلا تحت مسمى "السباب" (بالفصحى) و"الردح" (بالعامية) . وقد تعرّض عباس العقاد لنفس التيار عندما نشر مصطفى صادق الرافعي كتابه (على السفود) والذي ضِمنه أسلوباً بالغ الهبوط في السباب والتجريح الشخصي.

وخلاصة الأمر ، أن حياتنا كانت تعرف لغة متحضرة تتسم بالموضوعية والبُعد عن السباب والتجريح الشخصي ولكنها كانت أيضاً تعرف أسلوباً آخر في الكتابة يقوم على التنابذ والسباب والتجريح .

وخلال السنوات الخمسين الأخيرة أخذ التيار الموضوعي في الحوار ولغته يفقد تدريجياً أرضاً واسعة لصالح تيار الكتابة الغوغائية التي يترك فيها الكاتبُ "الموضوع" ويأخذ في تمزيق وطعن وتجريح "شخص الطرف الآخر" . ولا أعتقد أنني بحاجةٍ لأضرب أمثلة على شيوع هذه الظاهرة في أجواء حياتنا الثقافية ، فمعظم المساجلات تبدأ بخصوص موضوع محدد ثم تستمر الكتاباتُ بعيداً عن الموضوع الذي بدأت بسببه ولا تكون إلا اتهامات شخصية وتراشق بالحجارة وسباب متُبادل .

وإذا استعرضنا "الحملات العاصفة" لبعض صحف المعارضة لدينا ، لوجدنا أنها بدأت من "موضوعٍ محددٍ" ثم تركته ووسعت جبهة الحرب مع الشخصية التي كانت على خلافٍ معها بخصوص موضوع معين وأصبحت تكيل لهذه الشخصية الاتهامات على كل الجبهات العامة والخاصة . وقد ظننتُ في البداية أن بصدور معظمنا تراكمات هائلة من الإحباط والغضب من حقائق الحياة التي تُحيط بنا ، وأن البعض يغتنم فرصة انفجار الحوار مع طرفٍ آخرٍ ليفرّغ فيه تلك الشحنة المتراكمة في صدره وعقله من إحباط وغضب . ورغم أنني لا زلت أعتقد أن هذا العامل هو أحد العوامل المُسببة للظاهرة التي نحن بصددها ، إلاَّ أنني أعتقد أن السبب الأول والأكبر يكمن في وجود "تيار فاشي" في الحوار العام منذ قرابة نصف القرن من الزمان .

فخلال العقود الخمسة الأخيرة ، كانت الحياة العامة في واقعنا متأثرة (أقوى تأثير) بحقيقتين كبيرتين هي أن نظام الحكم الذي أُسس في مصرَ سنة 1952 كان ضيق الصدر للغاية بآراء معارضيه بل وناقديه . ولست هنا بصدد تقييم عهد برمته ، ولكنني أقول فقط أن هذا العهد كان (من البداية) يتعامل مع معارضيه وناقديه بيدٍ من حديد مع إعلام موازٍ يبث على هؤلاء المعارضين والناقدين حمماً بركانيةً بما كان لا يبقى ولا يذر . وفي نفس الوقت (وهذه هي الحقيقة الثانية) فإن أقوى تيار سياسي نزل لعمليات تحت الأرض كان تيار الإخوان المسلمين والذين كانوا ولا يزالون متفوقين على الجميع في التعامل مع مُعارضيهم وناقديهم إما بيدٍ من حديد أو بسيول من الخُطب والكتابات التي لا تقل "فاشية" عن اليد الحديدية الفعلية . وهكذا كنا فوق الأرض مع أُناس لا يقبلون أقل من (مسح الأرض) بمُعارضيهم وناقديهم ، وكنا في نفس الوقت تحت الأرض مع أُناس يتفوقون على الجميع في تحطيم مُعارضيهم وناقديهم مادياً ومعنوياً .

في ظل هذه الأجواء الفاشية في التعامل مع المُعارضين والناقدين شبت أجيالٌ وتكّون مُناخ عام يكاد لا يعرف الحوار الخالي من التهم وتوسعه جبهة المعركة والنزول لدرك التراشق بحجارةٍ مهولةٍ من السبابِ والتجريحِ في محاولةٍ لاستئصال الوجود المعنوي للطرف الآخر (المُعارض أو الناقد) . في ظل مُناخ عام كهذا ، يصبح الكلام عن (قبول الآخر) و(اتساع الصدور للنقد) و(تعميق النقد الذاتي) و(توسعة الهامش الموضوعي) في التفكير والجدل وقبول (التعددية) قبولاً حقيقياً راسخاً وواسعاً .. تصبح هذه القيم نغمةً نشاذ وإستثناء بحت . ورغم أن هناك نماذج رائعة ومثالية في هذا المجال ، إلاَّ أنها للأسف أقل عدداً بشكل كبير في مواجهة تيار عارم من الحوار والكلام والكتابة الفاشية التي نبتت ونمت وأستفحل وجودها وانتشارها في ظلال الفاشية ؛ وأغلب الظن أننا سنعيش مع هذه الظاهرة لعدةِ سنواتٍ حتى تكتمل (وتنجح) عمليةُ التحول الاقتصادي الجارية حالياً وتختلف مكونات الحياة العامة اختلافاً لا يترك مجالاً لأبناء التيار الفاشي في الفكر والخطابة والكتابة إلاَّ أن يكونوا مجرد "آثار" تُمثل مرحلة مررنا بها ولّونت العديد من أبناء مجتمعنا بلونها حتى انتهت (بسبب المتغيرات العالمية) كل أسباب بقاءهم .. وهو أمر (كما ذكرت) سيستغرق عدة سنوات .
(أخبار اليوم 12/1/2000) .