بين السياسة والبترول.


في غرفة الإجتماعات الملحقة بمكتب رئيس المخابرات الأمريكية كانت جميع المقاعد حول المائدة البيضاوية مشغولة بعددٍ من كبار رجال الوكالة وعددٍ آخر من أكبر الشخصيات البترولية التي جاءت على طائراتٍ خاصة من ولايتي تكساس وكاليفورنيا للمشاركة في هذا الإجتماع الهام والذي بدأ في موعده تماماً عندما لحق بالمجتمعين رئيس الوكالة.

بدأ الإجتماع بمقدمة ملخصة عن أسعار البترول وعلاقاتها بالأحداث السياسية الكبيرة والهزات النفسية في العالم منذ الصدمةِ البترولية الكبرى التي جاءت كنتيجةٍ لنقص الإمدادات في أواخرِ 1973 وطيلة سنة 1974. جاء إستعراض موجات إرتفاع وإنخفاض الأسعار وخلفيات ذلك السياسية والنفسية موجزاً وعلى أعلى المستويات. بعد هذا العرض المبدئي الموجز ، أخذ رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الإستماع لوجهة نظر كل من الحاضرين ولكن قرب النهاية كان واضحاً أن أكثر ما نال إعجابه هو عرضٍ موجز لرئيس شركة بترول عالمية كبرى عندما قال: "خلال السنوات الثلاثين الماضية إنتقلت مجموعة الأوبك من تزويد العالم بثلثي إحتياجاته في مرحلةٍ ثم بنصف إحتياجاته في مرحلةٍ تالية والآن فإن مجموعة الأوبك لا تزود العالم إلاِّ بثلث إحتياجاته من البترول الخام فقط. رغم هذه الحقيقة الكبيرة والتي ترجع لخططٍ دقيقة وُضعت لجعل إنتاج الدول غير الأعضاء بالأوبك (اليوم) ضعف إنتاج دول الأوبك .. وذلك بتكثيف عمليات البحث في غرب إفريقيا وتنمية حقول جمهوريات آسيا الوسطى وغير ذلك .. رغم هذا العامل المهم ورغم زيادة الإعتماد على الغاز الطبيعي في مجالاتٍ عديدةٍ ورغم وجود تقنية حديثة تسمح بإستخلاص وقود وسائل النقل من الغاز وليس من زيت البترول الخام .. رغم كل ذلك فلا تزال أسعار البترول عُرضة للإرتفاع أو الإنخفاض الشديدين ليس أساساً بسبب المتغيرات التي تطرأ على مستوى الطلب وإنما في المقام الأول بسبب عوامل نفسية تتعلق بإحتمالات تعرض مصادر الإمدادات البترولية للخطر. إذاً لو بقينا نعمل في نفس الإتجاهات كما فعلنا منذ الصدمة الكبرى من ثلاثين سنة ، فلن يفيدنا ذلك كثيراً. المطلوب الآن إجراء جديد وهو في وجهة نظري وجود منتج ثاني لا مثيل له إلى جانب المنتج الكبير الأوحد الذي لا مثيل له اليوم. إننا نسمي السعودية منذ ثلاثين سنة Swing Producer أي المنتج الوحيد الذي يستطيع أن يجلس على (المرجيحة) فيغير توازنها. طالما بقى هذا المنتج (بضمة فوق الميم وسكون فوق النون وكسرة تحت التاء) الوحيد بمفرده فستبقى أمور أسعار البترول على نفس الحالة: إرتفاعات مهولة نتيجة مخاوف حقيقية من تعرض مصادر زيت البترول الخام لما يمكن أن يجعلها معطلة أو شبه معطلة)".

ثم أضاف نفس المتحدث: "والآن بالذات فإن السعودية تشهد قلاقلٍ كبيرة بسبب ما أسميه حرب النظام مع الجناح المتطرف من الثقافة الوهابية والتي هي في الأساس قاعدة شرعية النظام. وليس من المستبعد أن تزداد القلاقل وتحدث هجمات على الحقول أو وسائل التخزين أو خطوط الأنابيب أو تسهيلات الشحن مما يعرض العالم بأسره لهزةٍ عظمى. إن إحتياجات العالم اليوم من زيت البترول الخام هي ما بين 70 و74 مليون برميل يومياً .. وتنتج دول الأوبك ثلث هذا الحجم المطلوب .. وتنتج السعودية وحدها ثلث مجمل إنتاج مجموعة الأوبك. وإذا كانت السعودية تنتج ما بين 8 و9 مليون برميل في اليوم فإن معظم دول الأوبك تنتج ما بين 1 و3 مليون برميل يومياً .. أي أن هناك هوة شاسعة بين الدولة التي تحتل المرتبة الثانية (إيران) والدولة التي تحتل المرتبة الأولى (السعودية). وهذا هو مصدر مصطلح Swing Producer".

وأنهى المتحدث الذي كان واضحاً أنه حاز الإعجاب الشديد لرئيس وكالة الإستخبارات الأمريكية كلامه قائلاً: "إن أمامنا اليوم فرصة تاريخية وهي أن نصل بإنتاج العراق خلال خمس سنوات إلى أكثر من 6 مليون برميل يومياً فيصبح في العالم لأول مرة منتج كبير ثاني Second Swing Producer يستطيع أن يعوض إحتياجات العالم إذا تعرضت الإمدادات الواردة من السعودية للتوقف بسبب عدم الإستقرار.

رفع رئيس المخابرات الأمريكية رأسه وسأل الحاضرين: "هل من الناحية التقنية تستطيع إحتياطيات العراق إنتاج 5 أو 6 مليون برميل يومياً؟" فأجاب الحاضرون في نفس واحد: "بكل تأكيد". أما المتحدث الذي كان قد نال إعجاب رئيس الوكالة فقد أضاف: "نعم وبكل تأكيد من الناحية الفنية وبشرط أن تكون الإعتبارات السياسية والأمنية لا تعوق ذلك". عندئذٍ أثار أحد الحاضرين سؤالاً هاماً: "إن تحقيق ذلك يحتاج لمدة من ثلاث إلى خمس سنوات .. فما العمل إذا إنهارت الأوضاع الأمنية في السعودية وتسبب ذلك في كارثة قبل أن تصبح العراق ذلك المنتج الذي سميناه Second Swing Producer أي المنتج الأكبر الثاني؟". توجهت عيون الحاضرين إلى وجه وعيني رئيس الوكالة الذي لم يجب وإنما إستدار بوجهه وعينيه ناحية مساعد وزير الدفاع والذي كان حاضراً الإجتماع … وكانت النظرة كافية للدلالة على ما في رأسه!!!

وقبل نهاية الإجتماع ، أثار أحد الحاضرين من الوكالة سؤالاً كان يدور بذهن كثيرين من الحاضرين: "وهل للسعودية دور في تجنبِ حدوثِ كارثة المدى القصير (أي إنخفاض إمدادات البترول من السعودية بسبب تدهور الأحوال الأمنية وهي كارثة بالنسبة للعالم) .. وكذلك كارثة المدى الطويل (وهي إنخفاض صادرات البترول السعودية وعدم إهتمام العالم بذلك لوجود بديل وهو العراق وهو ما يعني إنهيار الإقتصاد السعودي تماماً)؟!" .

أجاب عن هذا السؤال أحد الحاضرين وهو باحث مرموق بأحد مراكز البحوث قائلاً: "من الناحية النظرية تملك السعودية الحل على المدى القصير والمتوسط والطويل وهو إقدامها على طلاق كامل مع الفكر الوهابي وسند هذا الفكر وتغيير المرجعية الدينية إلى مختارات معتدلة من كافة المذاهب الإسلامية وإلقاء الإتفاق الذي تم في القرن الثامن عشر بين آل سعود وآل الشيخ في متحفِ التاريخ. عندئذٍ فقط سيكون هناك حل وبمبادرةٍ سعوديةٍ – ولا تسألوني عن إحتمالية حدوث ذلك .. فأنا ببساطةٍ لا أعرف.

هل حدث هذا الإجتماع؟ … وهل دار هذا الحوار؟ … أم إنه مجرد حلمٍ في غفوة؟ … الحقيقة أنه لم يحدث … أو على الأقل أنه ليس لي علم بحدوثه … ولكنني سأكون مندهشاً بل ومذهولاً إن لم يكن ما رأيته أمام عيني كحلمٍ عابر قد حدث وبنفس الكيفية.

منذ مائة سنة تصارعت أجهزة المخابرات الدولية بسبب البترول على المنطقة التي أصبح أسمها بعد ذلك المملكة العربية السعودية .. وكان من المنطقي أن يُعلن عن إكتشاف البترول بعد أربع سنوات فقط من تكوين المملكة بشكلها الحالي … فما الذي يمنع أجهزة المخابرات الكبرى أن تهتم بنفس المنطقة ولنفس الأسباب اليوم؟