كل هذا العنف ... هل من تفسير؟


في سنة 1910 أغتيل بطرس غالي وهو رئيس للوزراء… وفي سنة 1919 أطلق عياراً نارياً على يوسف وهبه وهو-يومئذ-رئيس للوزراء.. فجرحه ولم يقتله… وهو ما تكرر مع سعد زغلول في صيف سنة 1924 وهو رئيس للوزراء وجرح ولم يمت. في فبراير 1945 أطلقت أعيرة نارية على أحمد ماهر وهو رئيس للوزراء فأردته قتيلاً… وفي سنة 1946 أطلقت مجموعة من الشباب النار على وزير المالية الوفدي السابق أمين عثمان فقتلته… وفي ديسمبر 1948 أطلق شاب من الإخوان المسلمين النار على محمود فهمي النقراشي وهو رئيس للوزراء فأرداه قتيلاً… وفي سنة 1954 أطلق شاب من الإخوان المسلمين النار على جمال عبد الناصر ولكنه لم يصبه… وفي أكتوبر 1981 أطلق آخرون من الإتجاه الإسلامي النار على الرئيس أنور السادات فقتلوه. وفي أديس أبابا في يونية 1995 أطلق آخرون من نفس الإتجاه النار على الرئيس مبارك ولكن دفة وكفاءة الترتيب على الجناة هدفهم. ونظراً لأنني أتحدث أساساً على رؤساء الدولة أو الحكومة الذين أطلقت عليهم النار-فإنني لم أذكر من الوقائع الأخرى إلا أمين عثمان (1946) وأضيف هنا رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الذي قتل في سنة 1990 برصاصات من أتباع نفس الإتجاه الذي قتل آخرين كالنقراشي والسادات وحاول قتل الرئيسين عبد الناصر ومبارك. كذلك لم أذكر حوادث إغتيال شخصيات عامة أخرى كثيرة مثل حسن عبد الرازق وسليم زكي والخازندار… وغيرهم… كما لم أذكر تفاصيل محاولات قتل عديدة فشلت كمحاولة إغتيال عاطف صدقي وصفوت الشريف وحسن الألفي وحسن أبو باشا… إلخ

وحسب معلوماتي ففي كل حالات الإغتيالات التي ذكرتها (بما في ذلك الحالات التي لم يتحقق فيها للجناة غرضهم) فإن الفاعل (أو الفاعلين) كانوا إما من "الحزب الوطني" القديم أو من تيار الإسلام السياسي. وآمل أن يُعطي هذا الموضوع مؤرخ (أو أكثر من مؤرخ) وقتاً كافياً لدراسته وقراءة خلفياته وإستخلاص العبرة من هذه الدراسة. وينبغي أن يُشرك المؤرخون معهم علماء إجتماع وعلماْ نفس وخبراء تعليم وتربية. فليس الغرض أن نقص على الناس القصص… وليس الغرض توجيه أصابع الإتهام لأحد… وليس الغرض تصفية أية حسابات مع أية جماعة أو أي تيار… فأنا رجل يؤمن بنظرية الدفاع الإجتماعي في تفسير السلوك الإجرامي، وهو ما يجعلني أتوخى معرفة الأسباب وطرائق تلافي وجود ظاهرة لا شك أن لها صلات بالظروف الإجتماعية والتعليم والسياسة والمفاهيم الدينية. وأؤكد على أنني هنا لا أُصدر أحكاماً، وإنما فقط أقول: أظن أَننا بحاجة لأن ندرس ونحلل ونتعلم… وأن نبدأ كل ذلك بدون أيَّ أحكام مسبقة. وقد يتسرع إنسان ويقول: "إن كل المجتمعاتِ بها عنفٌ مماثلٌ"… والرد العلمي هو: "لا… هناك درجات مختلفة من العنفِ في المجتمعات… كذلك فإن أسبابَ العنفِ في المجتمع الأمريكي غير أسباب العنف في مجتمعات الشرق الأوسط… غير أسباب العنف في مجتمع إفريقي مثل نيجريا". ونظراً لأن هدفنا لا يليق بنا أن نتعلل بأن العنف موجود في كل مكان.. فإهتمامنا الأول هو بمصر… وهدفنا أن نفهم ونتعلم. إن سؤالاً هاماً كالسؤال الذي يطرحه هذا العمود.. لا ينبغي أن يتعرض للإجابة عنه إلا علماء ودارسو علم الإجتماع.. لأننا لا نبحث عن "إنطباعات شخصية" وإنما عن تحليل دقيق يستند لعلم رصين وفكر عميق.

وربما يكون السؤال الآخر الذي لا يصلح للإجابة عنه إلا علماء ودارسو علم الإجتماع هو ميلنا (كمصريين) في زمن الأمور الكبيرة (كحرب أكتوبر 1973) للتآلف والسلوك الرائع (كأن لا تقع جريمة واحدة في مصر في أيام هذه الحرب) ثم ميلنا الذي لا يخفى عن أحد للتناحر في الأوقات العادية. المصريون العاملون في البلدان العربية لا يفتأ كثيرون منهم يطعن في الكثيرين من أبناء وطنه "مصر"… ويتكرر ذلك السلوك داخلياً بنفس القوة… وخارجياً في كل مكان. حكى لي صديق يقيم في زيورخ منذ أيام أن الأقباط المقيمين في هذه المدينة واصلوا (من البداية) الإختلاف والتشرذم وهو ما أدى إلى إنقسامهم لمجموعتين: المجموعة الأولى تتعالى على الثانية وتطلق على كنيستها في زيورخ إسم (كنيسة الزمالك) بينما تطلق على كنيسة المجموعة الأخرى إسم (كنيسة القللي) لإدماغهم بأنهم أقل منهم شأناً!!

وقد ذكر كرومر في كتابه "مصر الحديثة" الذي طالعته بجزيئيه مرات عديدة، أنه تذكَّر في حفل وداعه الشهير أنه ما من "باشا" أو "بك" أو حتى "أمير" ممن حضروا حفل وداعه (في سنة 1907) إلاَّ وكان قد جاء إليه يستعديه على أحد أبناء بلده!… بل أن سفر أشعياء النبي (في العهد القديم) يتحدث عن ذلك بشكل واضح إذ يقول: (وأهيج مصريين على مصريين، فيحارب كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه… وأفنى مشورتهم… وأغلق على المصريين في يد مولى قاس، فيتسلط عليهم). وأنا شخصياً، عندما كنت رئيساً لشركة بترول عالمية كبرى لمدة عشر سنوات، وكان مرؤوسي ينتمون لقرابة عشرين جنسية من كافة الخلفيات لاحظت-بوضوح-خلال تلك السنوات، أن الأوروبيين (عدا البريطانيين) يعرضون علي "القليل خلافاتهم الكبيرة" وليس كل ما يحدث بينهم من خلافات… وكذلك الجنسيات العربية (من غير المصريين)… أما البريطانيون والمصريون فكانا يذهلاني… فخلال عشر سنوات كرئيس لمئات البريطانيين لم يحدث "مرة واحدة" أن أقحموني في مشكلة مما كان يحدث بينهم وكانت أخبارها (أحياناً) تصل إليّ. وفي نفس الوقت كان المصريون يعرضون علي (يومياً) خلافات بعضها كبير وبعضها متوسط وبعضها بسيط بشكل لا يليق بأصحابها، فجلهم كان من العلماء وأصحاب أعلى الدرجات العلمية… كما أنهم كانوا أول من ينسحب من العمل الجماعي (الفريق) ويفضلون أن يعمل كل واحد منهم بمفرده.. أما إذا أجبروا على العمل في فريق، فإنهم (من الساعة الأولى) يبدأون في تجريح زملائهم المصريين (فقط) في الفريق. وعندي مئات القصص (الحقيقية) التي لا أريد أن أرويها لأنها مؤلمة. كنت أذهب في وفود (مع مرؤسي الألمان والبريطانيين والهولنديين والسويسريين) لمقابلة رؤساء حكومات وأولياء عهد ووزراء في بلدان خارج مصر، فكان هؤلاء المسئولون الكبار يهتمون بي كرئيس للوفد … أما في مصر، فكان كبار الموظفين عندما يلتقون بنا يصافحـون الأجـانب أولاً ويحيطـوهم بهالات من الإجلال والإكبار ولا يكادون يوجهون الحديث إلا لهم (!!!). ونظراً لأنني أحفظ أسفار العهد الجديد (الإنجيل) بالإنجليزية عن ظهر قلب فقد كنت أردد دائماً لنفسي كلمات السيد المسيح عندما ألقاه أبناء مدينة (الناصرة) بالحجارة وقالوا: "حتى إبن مريم يتنبأ"… وقال هو: كلمته الخالدة التي يعرفها بلايين الناس على وجه الأرض-وإن كان البعض لا يعرف أن المسيح هو قائلها الأول.

هاأنذا أدعوا علماء ودارسو علم الإجتماع للنظر في هاتين المسألتين وإفادتنا عن الأسباب وطرائق العلاج.