تحية للأستاذ محمد حسنين هيكل.


في سنة 1988 وبعد أسابيع من إختياري لرئاسة شركة بترول عالمية كبرى (كانت يومها أكبر شركة في الكون في كافة المجالات) إتصل بي الأستاذ منير عساف مدير مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل وقال أن الأستاذ يريد أن يتحدث معي. بعد ثوانٍ كنتُ في أول حوارٍ لي مع الأستاذ وهو الحوار الذي تكرر عشرات المرات وغطى عشرات المواضيع السياسية والتاريخية والإقتصادية والإجتماعية بل وكثيراً ما تطرق لمواضيع أدبية وبالذات شعرية. ومعظم أبناء جيلي (الذين كانوا طلاباً جامعيين خلال النصف الثاني من الستينيات) ولا سيما المولعين منهم بالفكرِ والأدب والشئون السياسية هم من غلاة المبهورين بالأستاذ هيكل. وبين هؤلاء أقف أنا على أرضية مختلفة: فأنا أختلفُ فكرياً مع الأستاذ هيكل في معظم منطلقاته وفي معظم غاياته. إلا أنني أظنُ أن إعجابي به وتقديري له يفوق إعجاب وتقدير "المريدين". فأنا رغم عدم موافقتي على معظم آرائه وتحليلاته السياسية أُكبِره إِكباراً بلا حد وأرى أنه "سبيكة نادرة" بلا مثيل في واقعنا.

في يومٍ من الأيام كنتُ في محاضرةٍ عامة وكان صديق لي من مريدي الأستاذَ حاضراً وعندما سألني أحد الشباب عن رأيي في الأستاذ هيكل-أجبتُ بما تعجب له هذا المريد. قلت في إجابتي أن حياة وثمار الأستاذ هيكل تدل على أنه مصنوع من سبيكة نادرة للغاية وثرية إلى أبعد الحدود ومتعددة جوانب القدرة العالية بشكلٍ مذهلٍ. قلت-يومئذ-أننا إذا قسمنا حياة الأستاذ إلى ثلاث مراحل: مرحلة تنتهي يوم 23 يوليو 1952… ومرحلة ثانية تنتهي يوم 28 سبتمبر 1970… ثم مرحلة ثالثة هي الحالية والتي نسأل الله أن يطيلها. إذا فعلنا ذلك وجدنا ما يلي: خلال المرحلة الأولى تألق الأستاذ هيكل تألقاً لا مثيل له-وإذا قارنا بين مكانته ومكانة أبناء جيله (المولودين ما بين 1920 و1925) لوجدناه الأول بينهم وبمسافةٍ مذهلة ما بين موقعه والموقع التالي له. كان-وهو في العشرينات من عمره-قد أصبح صحفياً لامعاً وحصل على جائزة فاروق الأول للصحافة وأصبح رئيساً لتحرير مجلة آخر ساعة وحقق نبوغات صحفية جعلته يقترب من أكبرِ رواد مهنته في القيمة والأهمية. وإذا كان الأستاذ أحمد بهاء الدين هو ثاني أبرز أبناء هذا الجيل-فقد كانت المسافة بين مكانة هيكل ومكانة بهاء الدين تقاس يوم 23 يوليو 1952 بالسنوات الضوئية. وخلال سنوات المرحلة الثانية؛ فقد وضع معظم حملة الأقلام من أبناء مهنة الصحافة أنفسهم في مكانة غير مرتفعة عن الأرض إلى جوار جمال عبد الناصر… أما هيكل فقد وضع نفسه عند رأس عبد الناصر. وخلال هذه المرحلة كان هيكل ظاهرةً لا مثيل لها. في يوم 28 سبتمبر 1970 مات عبد الناصر وبدأت مرحلة ثالثة من مراحل حياة محمد حسنين هيكل. يومها لم يكن له كتاب واحد باللغة الإنجليزية… وخلال تلك المرحلة نشرت له أكبر دور النشر العالمية أكثر من عشرةِ كتبٍ بالإنجليزية بعددٍ لا يحصى من اللغات بما فيها اليابانية. وبإستثناء الكتاب المبدعين الذين يكتبون روايات أو مسرحيات أو قصص قصيرة، فلا يوجد شخص آخر غير هيكل من أبناء جيله يكتب في السياسة تُرجِمَ له كتاب واحد بلغات الشعوب المتقدمة. ونظراً لأن لي كتب نشرت في بريطانيا والولايات المتحدة، فإنني أعرف جيداً معنى أن يكون الناشرون العالميون قد قاموا بنشر أكثر من عشرةِ كتبٍ في عشرات الطبعات وبالعديد من اللغات وفي ملايين النسخ للأستاذ هيكل. وكما قال هو نفسه ذات مرة. فإن النشر في الخارج قد يكون عن طريق دور نشر الجامعات أو إدارات حكومية-وليس هذا ما أتحدثُ عنه هنا. وإنما أتحدثُ عن دور النشر الكبرى التي لا تعرف إسم كاتب سياسي من جيل محمد حسنين هيكل غيره. أما شبكة علاقاته الكونية-فقصةٌ عجيبةٌ-تدل على قدرات شخصية فذة.

قلت هذا في ذلك اليوم في تلك المحاضرة… يومها جاء لي صديقي الذي هو من مريدي الأستاذ هيكل وقال لي: ما فائدة المريدين… إذا كان من بين الذين يختلفون في الفكر مع الأستاذ هيكل من يقول ما قلته الليلة… وكان تعليقي: إن ما تقولونه أنتم (أي المريدين) يماثل في الموسيقى السيمفونية "الحركة السريعة الإنفعالية" أما ما قلته أنا فيقابل "الحركة الوئيدة" وهي كما تعرف حركة غير مستساغة عند معظم الآذان الشرقية ولكنها محببة للغاية عند الغربيين لأنها تركيبية.

لقد أتيح لي خلال السنوات الماضية أن أستمتع بحواراتٍ طويلة مع الأستاذ هيكل وفي معظمها كان الإختلاف أوضح من الإتفاق… وعلى سبيل المثال فعندما كنا نتحدث عن شعر العقاد كنت أنا أقول أن قصيدة العقاد (ترجمة الشيطان) هي من أبدع ما كتب من شعر بالعربية خلال القرن الأخير… وكنت أشير للنص العربي الأصلي وللترجمة الإنجليزية والتي أحفظها عن ظهر قلب والتي أنجزها الدكتور زكي نجيب محمود وكان الأستاذ هيكل يخلع عن العقاد صفة الشاعر ويقول لي: أنظر إلى المازني كشاعر وسترى كم هو أفضل… وكنت أرد قائلاً: لقد كان المازني يقول أنني توقفت عن كتابة الشعر بسبب مقارنتي بين شعري المتواضع وشعر العقاد الفذ!

هل هذه المقالة عن الأستاذ هيكل؟… الإجابة: "نعم"… و… "لا". هي عنه لأنه محورها… وهي ليست عنه لأنني أردت منها أن أقول للقراءِ بوجهٍ عام وللشباب بوجهٍ خاص أن من أضعف جوانب عقلنا أننا نخلط الموضوعي بالشخصاني… فالموضوعية تحتم أن نقول أن الأستاذ هيكل ظاهرة فذة ومؤسسة متكاملة الأركان… ويبقى لكل إنسان بعد ذلك أن يوافق أو لا يوافق الأستاذ هيكل على منطلقات كتاباته ونتائج تحليلاته… ولكنه في كل الأحوال نجمٌ بلا نظير في سماءِ حياةِ مصرَ.

في مقدمة كتابه "رجعة أبي العلاء" الذي صدر سنة 1939 يقول العقاد أن العظماء الحقيقيين تحيط بهم ثلاث ظواهر: يحبهم البعض فيغالون في حبهم… ويبغضهم البعض فيغالون في بغضهم… وتحيط بهم هالات من القصص والروايات تشبه الأساطير. وبهذا المنطق والذي رأيته بعيني في الحياة مراراً وتكراراً يشترك الأستاذ محمد حسنين هيكل مع أعظم العظماء في تلك الظاهرة.