الإسلام المعتدل المظلوم.


في "مرايا نجيب محفوظ" التي صدرت منذ أكثر من ثلاثين سنة صوراً رُسمت بعبقريةٍ أدبية لشخصياتٍ بعضها عرفناهُ من النص وبعضها عرفناهُ من صاحب النص. ومن الشخصيات التي عرفناها من المصدرين شخصيةً قصد بها المؤلف "سيد قطب" الذي عرفهُ الأستاذ نجيب محفوظ جيداً خلال النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي كما كان سيد قطب مع سلامة موسى هما أول من قدما نجيب محفوظ عبد العزيز للقراء منذ أكثر من ستين سنة. وقد صور الأستاذ نجيب محفوظ بعبقريةٍ بذور التعصب في الشخصية التي رسمها (ولا أقول كتبها). وقد كان سيد قطب من مريدي العقاد وتلاميذه-ولكنها كانت علاقةٌ غريبة؛ إذ على خلاف معظم تلاميذ العقاد لم يحظ سيد قطب بكلمة ثناء واحدة بقلم العقاد عن كتاباته في تلك الفترة والتي لم تكن تخرج عن "النقد الأدبي" و"الشعر". ويعرفُ الذين كانوا مقربين من العقاد وسيد قطب أن الأخير شعر بمرارة كبيرة عندما تجاهل العقاد ديوانه الشعري الذي أصدره سيد قطب في أربعينيات القرن العشرين. وفي زيارةٍ من زياراتي لواحدةٍ من كبريات الجامعات الأمريكية إلتقيتُ بباحثٍ تخصص في دراسةِ أعمال سيد قطب السابقة لرحلته للولايات المتحدة الأمريكية في أوائل خمسينيات القرن الماضي والتي إستمرت لقرابة السنتين. وقد إطلعت على عملٍ أرشيفيٍّ جيد كان من أبرز ما لفت إنتباهي فيه خلو أعمال سيد قطب في تلك المرحلة (والتي هي بشكلٍ تقريبيٍّ الفترة من 1930 إلى 1950) من أي كتاباتٍ تشبه كتاباتِه بعد عودته لمصر من رحلته الأمريكية. كان سيد قطب خلال تلك السنوات العشرين ناقداً وشاعراً دون أن يتمكن من الوصول للصف الأول أو حتى الثاني في هذين المجالين. وعندما يطالعُ الإنسان (في جلسةٍ واحدة) الشخصية التي صورها نجيب محفوظ في المرايا وكذلك ديوان سيد قطب الذي صدر في أربعينيات القرن الماضي فإنه يلمس بوضوح "شعوراً كبيراً بالمرارة".

سافر سيد قطب إلى الولايات المتحدة ورجع لمصر بعد سنتين. بعد عودة سيد قطب لمصر حدثت حركة 23 يوليو 1952. وما بين هذا التاريخ الأخير وتاريخ القبض عليه وإعتقاله في سنة 1954 كان سيد قطب مقرباً من قادة الضباط الأحرار بل ويُقال أن مكتباً كان مخصصاً له في مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة. ومعروف أن سيد قطب شعر بمرارةٍ كبيرةٍ عندما لم يضمه الضباطُ الأحرار لقائمة الشخصيات المدنية التي أصبح أعضاؤها وزراءً في وزارات ما بعد 23 يوليو 1952. بعد حادثة المنشية أُلقِي القبض على سيد قطب وأمضى أكثر من عشر سنوات في المعتقل كتب خلالها معظم كتاباته المعروفة ومن أشهرها "وأصغرها حجماً" معالم في الطريق.

بعد قرابة سنة من خروجه من المعتقل في منتصف ستينيات القرن الماضي إِعْتُقِلَ سيد قطب للمرة الثانية وحوكم وتم إعدامه. وأنا ممن يخالفون سيد قطب في كل آرائه ومع ذلك فأنا بكل عقلي وقلبي وضميري ممن يستبشعون فظاعةِ ووحشيةِ وإجراميةِ ما حدث في حقه منذ إعتقاله (سنة 1965) وحتى إعدامه سنة 1966. ولكن هذا لا يمنعني من التساؤل: ما الذي حدث للرجل الذي كان ناقداً أدبياً وشاعراً أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية وجعله يعود من تلك الرحلة شخصاً غير الذي ترك مصر قبل سنتين؟. كيف ولماذا نبتت تلك المرارة الشديدة على الآخرين؟؟ وكيف إنتقلت روح إبن تيميه فيما يتعلق بغير المسلمين لكيان ووجدان سيد قطب فنقلها بعد ذلك لآلاف بل وعشرات الآلاف من الأتباع؟؟ إن المذاهب الإسلامية السنية كلها بإستثناء الفرع الحنبلي الذي بدأ بأحمد بن حنبل ومر بإبن تيميه وبإبن قيم الجوزية ووصل إلى محمد بن عبد الوهاب في نجدٍ منذ قرنين ونصف من الزمان ثم إلى سيد قطب وهو في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر قليلاً من خمسين سنة… إن كل المذاهب السنية بإستثناء هذا الفرع وكذلك كل المذاهب غير السنية وأهمها مذاهب الشيعة الأساسية (كالإمامية) وكذلك كل الطرق الصوفية لا تعرف تلك الروح المليئة بالمرارة والكراهية لغير المسلمين والتي نراها عند إبن تيميه والخط الموصول منه إلى أسامة بن لادن.

إن البعض يظن أن ما يحدث اليوم في السعودية هو شيءٌ جديد في طبيعته. وهذا تصور غير سليم. فخلال سنوات الدولة السعودية الأولى (في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين) وُجِدَت أمثلة تضاهي ما نراه اليوم من كراهية عمياء لغير المسلمين ولكل مظاهر الحياة العصرية وأنماط التذكير الجديدة. وخلال السنوات الأولى للدولة السعودية الثالثة (أي الحالية) حارب أولئك الذين يتسمون بتلك الروح تجاه غير المسلمين وتجاه مظاهر الحياة العصرية الرجل الذي أنشأ الدولة السعودية الثالثة وهو الملك عبد العزيز آل سعود. وفي المراجع العلمية المتخصصة عن تاريخ الدولة السعودية الثالثة أشياء ومواقف للإخوان (إخوان نجد) يقفُ لها شعرُ الرأس. فقد كانوا يعارضون الملك عبد العزيز في أشياءٍ عديدة مثل إدخال الراديو (الإذاعة) وركوب السيارة العصرية وإستعمال الهاتف بل إنه عندما غادر الملك عبد العزيز الرياض في منتصف عشرينيات القرن الماضي على ناقةٍ وعاد لها بعد ضمه لمكة لمملكته الوليدة وكانت عودته في سيارة عصرية-إنتقد الإخوان (إخوان نجد) هذه البدعة التي تمثلت في ركوب عبد العزيز لسيارةٍ أمريكية… ومنذ سنوات غير بعيدة أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز بكفر من يقول أن الأرض كروية… وبين يدي الآن مئات الفتاوى (مثل فتوى عدم كروية الأرض وحرمانية قيادة المرأة للسيارة)… وأنتقي منها فتوى مذهلة هي الفتوى رقم 21409 بتاريخ 29 ربيع الأول 1421 (هـ) والتي تحرم إهداء الزهور للمرض لأن ذلك (محض تقليد وتشبه بالكفار).. وكذلك (خشية ما يجر إليه ذلك من الإعتقاد بأن هذه الزهور من أسباب الشفاء) وبناء عليه (لا يجوز التعامل بالزهور بيعاً أو شراءً أو إهداءً)!!!.

إن واجب كل مسلم يريد لهذا الثوب الأبيض أن يكون نقياً أن يدرك أن هذا التيار المليء بالمرارة والكراهية لغير المسلمين ولمعالم العصر المادية والمعنوية هو تيار إستثنائي وإن كان قوياً وعنيفاً ومؤثراً. إنني لشديد التطلع لأن أرى مؤرخين محترفين يدرسون ويتتبعون هذا التيار من إبن تيميه إلى أسامة بن لادن ومساهمة سيد قطب في هذا التيار مع إبرازٍ واضح لكونِ هذا التيار مخالف لكل أدبيات المذاهب السنية والشيعية الأخرى. كذلك آمل أن يفرغ باحثٌ متخصص لدراسة السنتين اللتين أمضاهما سيد قطب في الولايات المتحدة وعاد بعدهما رجلاً مختلفاً تماماً.

وآخر ما أتمناه أن يحدث ذلك بقلمٍ غير صحفيٍّ أو سياسيٍّ وإنما بقلمٍ وعقلٍ أكاديميٍّ لا يبحث عن الإدانة والإتهام وإنما عن ضالة المفكر الحقيقي وهي الحقيقة… إننا هنا نهدف لعمل فكري لا لعمل إجرامي كالذي تم في حق سيد قطب في سنة 1966.