إبراهيم شحاته وسعيد النجار
تحية وتقدير.


مما يذهلني كثيراً أن أرى عناصراً بشرية مصرية على أرفع وأرقى المستويات الدولية ومع ذلك يُحرم واقعنا من الإستفادة بإمكانياتهم بالغة القيمة والثراء. وهناك كثيرون ينطبق عليهم ذلك. ولكنني أتحدث اليوم عن إثنين بالتحديد، هما الدكتور إبراهيم شحاتة الذي وصل لثاني أرفع منصِب بالبنك الدولي والدكتور سعيد النجار الذي وُصِف بحق بأنه عرّاب (والد) الليبرالية المصرية المعاصرة.

إلتقيت بالدكتور إبراهيم شحاتة مرات عديدة بالبنك الدولي في العاصمة الأمريكية (واشنطن) ودارت بيننا حوارات طويلة عديدة. ودلتني عيناي المدربتان على إكتشاف القدرات الإدارية فيمن أتعامل معهم على أنني أمام عنصر نادر إجتمعت فيه عناصر المعرفة الثرية وعناصر علوم الإدارة الحديثة وتقنياتها. وعندما طالعت كتابه بالغ القيمة "وصيتي لبلادي" قلت على نطاق واسع أنه أحد أفضل ما كتب عن مشكلات مصر وكيفية وآليات حلولها والوصول لطور من التنمية والتقدم ننشده جميعاً لمصر.

وذات مرة ونحن نتناول الغذاء بالبنك الدولي في واشنطن قلت له: أحسب أنك لا تكاد تجد وقتاً لعملك من كثرة إتصال المسئولين المصريين بك عندما يحضرون إلى العاصمة الأمريكية… فضحك ضحكة ممزوجة بالسخرية وقال لي: إن شيئاً من ذلك لا يحدث على الإطلاق!!

قبيل وفاته بأسابيع قليلة زارني بمكتبي بالقاهرة-وآلمني أنه عوضاً عن إستفادة وطنه بخبرته التي أجزم أن أحداً لا يملك مثيلاً لها، فإنه أصبح يعمل مع مجموعة خاصة في عمل لا شك أنه محترم ولكنه لا يليق بإمكاناته النادرة.

وأما الدكتور سعيد النجار… فقد كنت (وثالثنا الدكتور طارق علي حسن) نلتقي بإنتظام لأكثر من عشر سنوات. وكنت (ولا أزال) أظن أن كتاباته أيضاً عن مشكلات الواقع المصري تصلح دليلاً لحل كل هذه المشكلات. ورغم أنه حصل على الدكتوراه في السنة التي ولدت أنا فيها (1950) فقد كنا (والدكتور طارق علي حسن) أصدقاء ينتمون لثلاثة أجيال دون أن يكون لذلك أي أثر على صداقتهم.

كان ليبرالياً حقيقياً يؤمن إيماناً راسخاً بالديموقراطية والحريات العامة ونظم المسائلة والإقتصاد الحر ويمقت أن يزج رجال الدين بأنفسهم في مسائل إدارة المجتمع. ولكنه قبل ذلك كان "رجلاً كبيراً" بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ ولم يكن من المتصور أن يقول غير ما يؤمن به أو أن يتملق أو أن يتزلف أو ينافق.

قبيل وفاته بأيام دعاني للغذاء ودعى لنفس الغذاء بعض أعضاء مجلس إدارة جمعية النداء الجديد التي أسسها وكانت (ولا تزال) منبراً ليبرالياً وقوراً. وكان من بين الذين حضروا هذا الغذاء السيد/ محمود أباظة نائب رئيس الوفد والرئيس الحالي لجمعية النداء الجديد (أي أنه أحل محله)… وقال في تبريره لذلك ما لا مجال لذكره هنا. وقد إعتذرت (على مسمع ومرأى عدد من أعضاء مجلس إدارة النداء الجديد ومن بينهم الرئيس الحالي للجمعية). وكان يقيني أنه أقدر الليبراليين المصريين على الإستمرار بالقيام بهذه المهمة. وبعد وفاته أصبح السيد/ محمود أباظة رئيساً للنداء الجديد وهو أهل لهذه المهمة الكبيرة.

وعندما أتأمل حياة (ومعاناة) هذين العملاقين (الدكتور إبراهيم شحاته والدكتور سعيد النجار) أشعر بأكثر من غصة: فمن جهة هناك ذلك الألم الذي يحدثه تجاهل مجتمعنا لبعض أفضل أبناءه… بل والتعامل معهم أحياناً بقسوة وغلظة وتنكر لا أكاد أعرف مبرراتهم… أو أحاول ألا أعرف لأن ذلك سيضاعف الألم.

وهناك من جهة ثانية ما يحدثه ذلك التجاهل من المجتمع لهم من مرارة في نفوسهم-فهم بمثابة أفضل أبناء المجتمع ويعرضون خلاصة عقولهم وعلمهم لعلاجه من أسقامه وأمراضه وأوجاعه-ولكنه يرفض بقسوة غريبة أن يُعالجه أولئك الذين يعرفون الداء ويملكون الدواء.

كان الدكتور إبراهيم شحاتة يعلم مدى حبي لشعر المتنبي… وكان يعلم أنني رغم ذلك لا أحب ترديد شعره عن فترة إقامته بمصر (رغم حفظي لكل ما قاله المتنبي من شعر)… لذلك كان يشاغبني كلما إلتقينا بقوله: (هل تعرف ما هو أجمل بيت من الشعر قاله المتنبي؟.. وكنت لا أجيب لمعرفتي بما سوف يأتي:

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنـه ضحـك كالبـكـا

وكان الدكتور سعيد النجار يفعل نفس الشيء، ولكنه كان يختار بيتاً آخر من قصيدة المتنبي المشهورة والتي تبدأ بالبيت المعروف:

عيد بأي حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أما البيت الذي كان يردده فهو:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بشمن وما تضني العناقيد

فإلى روحي إبراهيم شحاتة وسعيد النجار تحية من رجل عرفهما وظن (مثل كل من عرفهما) أنهما كانا من أنفس وأرقى وأعلى وأبدع ما أودع في ثرى مصر من أبناءها الأفذاذ.

حاشيـة:
في كتاب "وصف مصر" الذي وضعه مجموعة العلماء الذين جاءوا إلى مصر سنة 1798 مع بونابرت وفي الفصل الأول المعنون (لمحة عامة عن الطقس والسكان وعن تقاليد وعادات المصريين) يقول المؤلف (أو المؤلفون): (وعندما يمتدح أحد الأوروبيين لأحد سكان القاهرة مباهج التريض وجمال الأمكنة المخصصة لذلك في أوروبا؛ فإن القاهري يجد صعوبة كبيرة في أن يتفهم كيف يمكن أن تكون هذه الممارسة المتبعة واحدة من مباهج الأثرياء. فالقاهري عدو لكل حركة، وهو يزحف بصعوبة من منزله إلى دكانه)…