نحن ومأساة 2010.


لم يدهشنِ إختيار "جنوب إفريقيا" كأنسب وأقدر دولة إفريقية لتنظيم كأس العالم في كرة القدم سنة 2010 .. ولم يدهشنِ حصولها على 14 صوتاً .. ولم يدهشنِ حصول المغرب على عشرة أصوات .. ولم يدهشنِ كوننا (الأخيرة بدرجة "صفر") .. ولم يدهشنِ رد فعلنا على كل ذلك – بل سبق وأن وصفته في محاضرةٍ عامةٍ لي قبل إعلان النتيجة بأسبوع. قلت: إما أن جنوب أفريقيا ستفوز بالأمر، فهو أمر مؤكد لأنني طالعت أسس المقارنات والمفاضلات وهي تتعلق بأشياءٍ عديدةٍ مثل إدارة الطرق والمرور ونوعية خدمات سيارات الأجرة والمواصلات العامة وإجراءات الوصول والمغادرة بالمطارات والموانئ والخدمات الطبية وحالة المستشفيات العامة … وعشرات النقاط المماثلة. وقلت أن جنوب إفريقيا ستكون الأولى والمغرب ستكون الثانية ولن يؤيدنا أحد. فعاطفتنا (وهو أساس مشاركتنا الوحيد في المنافسة) لا يشاركنا فيها أحد. كذلك قلت أن "ليبيا" لن يُنظر لها؛ لأن مشاركتها لا يمكن أن تؤخذ مأخذاً جدياً. كذلك قلت في محاضراتي بإحدى الجامعات الخاصة أن رد فعلنا سيكون كالتالي: سيكرر الكثيرون منا أن عملية الإختيار كانت "سياسية" وليست "فنية" وبالتالي "ظالمة" و"غير عادلة". وفي نفس الوقت سيتجه كثيرون لمطالبة وزير الشباب بالإستقالة. وفي التوجيهين تناقض ظاهر: فإذا كانت عملية الإختيار سياسية، فما هو ذنب وزير الشباب؟.. والحقيقة أن عملية الإختيار كانت فنية بشكل بحت. وأن وزارة الشباب ليست مسئولة عن الفشل في تسويقنا وإنما مسئولة عن قبولها لتسويق ما لا يمكن تسويقه. إن كل الذين يقولون أنه كانت هناك "مؤامرة" ضدنا يوافقون على أن حالة المطارات والطرق والمواصلات العامة والمطاعم والمستشفيات وسيارات الأجرة… إلخ لدينا "حالة بائسة"… فكيف والحال كذلك يرجع إختيار جنوب إفريقيا لإعتبارات سياسية (وبالتالي تكون النتيجة غير عادلة)؟؟ وما معنى صراخ وعويل بعض الكتاب إعتراضاً على أننا لم نفز بهذه المهمة وهم جميعاً يعلمون أن جنوب إفريقيا أكثر تقدماً منا في كل مجالات المقارنة في هذا الأمر؟

إن جنوب إفريقيا والمغرب أكثر قدرة (بلا شك) على تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2010… ولا يمكن تصور أننا لم نحصل على مجرد صوت واحد من فرط الظلم لنا… إنها نتيجة طبيعية ومنطقية وحتمية بالنظر لمستوى مرافقنا والطرائق التي تدار بها هذه المرافق بل وجل أجهزتنا. نحن في أعماقنا ندرك ذلك، ولكننا من فرط حزننا (وشعورنا بالحرج) نرتاح لإلصاق تهمة محاباة الغير وإضطهادنا لأن ذلك يعفينا من مواجهة قاسية مع النفس.

إن معظمنا في جلساته الخاصة يعلم أن نتيجة هذه المقارنة هي حكم على "البيروقراطية المصرية" بل وحكم على وضعية وكيفية "الإدارة في مجتمعنا". أما أن نطلب من وزير الشباب أن يسوّق هذه الحالة، فأمر يشبه من يطلب من إنسان تجميل سيدة في السبعين وزنها مائة كيلو جرام للفوز بلقب ملكة جمال الكون!!

سألني صديق يعرف حجم ما كتبته عن نظرية المؤامرة: ألا يدهشك أن الرأي العام يقول الشيء ونقيضه في ذات الوقت، أي أننا كنا محل ظلم هائل ومؤامرة كبرى… وفي نفس الوقت يطالب بمحاكمة المسئولين عن هذه النتيجة المهينة والجارحة؟.. قلت: إطلاقاً..! لا يدهشني في ذلك شيء… فالرأي العام في هذه القضية مثله مثل الرأي العام في قضايا أخرى كثيرة كان مضللاً إعلامياً… ولكن في أعماقه تسكن الحكمة والدراية… فيكرر بطرف لسانه ما يروجه الإعلام (الموجه) ولكنه في قرارة قلبه وعقله يعلم أننا فشلنا لأننا نستحق ذلك… والذي لا يعلمه الرأي العام (لأن ذلك يحتاج قدرات أعلى من المتوسط العام من الناس) أنه كان من المستحيل أن نحقق نتيجة أفضل من تلك: لأنه من المستحيل أن نطالب أحداً بالتسويق للسيارة المصرية وجعل العالم يختارها كأفضل سيارة في الدنيا، لسبب بسيط وهو أنه لا توجد سيارة مصرية (!!).

نحن هنا (مرة أخرى) أمام واقع حي يقول لنا: هذه هي طريقتكم في إدارة الحياة ومرافقها وأجهزتها… وتلك نتيجة ذلك الحتمية… فلماذا تبكون عن النتيجة ولا تبكون على مسبباتها؟.. وكيف تطالبون وزير الشباب أن يكون "الماشطة" في المثل المصري الذي تعرفونه جميعاً؟!

لقد وهبت قلمي وكتبي ومحاضراتي لمهمة واحدة أراها أهم متطلبات حدوث النهضة المرجوة وأعني أن نفيق من سباتنا ونعرف حجم سلبياتنا ونتوقف عن إتهام الغير بتسببه في كل معضلاتنا.. وأن نكف عن أن نكون ممن تنطبق عليهم كلمات جبران خليل جبران الصائبة والتي لا شك أنها تنطبق علينا عندما كتب في سنة 1920 يقول: (إنما الشرق مريض قد تناوبه العلل وتداولته الأوبئة حتى تعوّد السقم وألفها وأصبح ينظر إلى أوصابه وأوجاعه كصفات طبيعية… وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ويتآمرون في شأنه ولكنهم لا يداوونه بغير المخدّرات الوقتية التي تطيل زمن العلّة ولا تبرئها… أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل كبير… أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة غباوة عمياء) .