التعايش في الغابة.


في حوار بإحدى الفضائيات ذائعة الصيت قال محاوري إنني –في ظنه- أقدم مشروعي الفكري بحذر مبالغ فيه ولا أحاول تقديمه بدرجة من القوة والوضوح يراهما من ضروريات نجاح مشروعي الفكري. وكان ردي بأنني أن أكتب وأحاضر وأظهر على شاشاتِ التليفزيون للترويج لهذا المشروع بلغةٍ عفيفة ليس فيها تجريح لأحدٍ ودون الإنغماسِ في أي هجومٍ شخصيٍّ على أحدٍ، كما أنني أحاولُ إقناع كل الأطراف بفائدةِ هذا المشروع الفكري لمصرَ بل وللعالم بأسره – إلاِّ إنني لا أملك (ولا أريد أن أملك) أدوات تأثير أخرى – فقد أكون مؤهلاً للتفكير والكتابة والمحاضرات والحوار مع العقول المتجهة للحداثةِ والتقدمِ ولكنني (ورحم اللهُ إمرءً عرفَ قدرَ نفسِه) لا أملك مؤهلات العمل السياسي مع الجماهير – وموقفي هنا يشبه موقف أحمد لطفي السيد الذي فشل في إنتخابات برلمان 1924 لأن خصومه قرأوا على الجمهور سطوراً من مقدمة أحد كتبه التي تضمنت ترجمةً لأحد مؤلفات آرسطو طاليس الشهيرة (!!). من أجلِ هذا أرفضُ الكثيرَ من العروضِ ، وكان آخرُها عرض مجلس إدارة جمعية النداء الجديد (مركز الدعوة الأول لليبرالية في مصرَ) لرئاستها – ولكنني إعتذرتُ لأن هذه الرئاسةُ تقتضي تعاملاً متواتراً وواسعاً مع الجماهيرٍ – وأنا خُلقت (بلغةِ طه حسين) ليس للتأثيرِ في الناسِ وإنما للتأثيرِ في الذين يؤثرون في الناس – لا أريد إلا الكتابة والمحاضرة والعمل الفكري . كذلك فإنني أعتقد أنني واضحٌ في إعلان رؤيتي السياسية الإصلاحية – ولكني أعلم يقيناً أن من يريد في مجتمعٍ مثل مصرَ أن يقول ما يشاء وأن يستمر في ذلك فإن عليه أن يلتزم بمنتهى العفةِ في التعبيرِ (عفة القلم وعفة اللسان) وألاِّ تجذبه إغراءاتُ الهجومِ الشخصي والتجريح لأحدٍ. وربما أيضاً تكون كراهيتي الشديدة لما يمكن أن نسميه باللهجة المصرية "الردح الفكري" هي من أسباب ذلك. أيضاً فإن من الضروري لمفكرٍ صاحب مشروع نهضوي وإصلاحي وتقدمي أن يستمر: والصدام الحاد يعوق هذه الإستمرارية ويكون مضيعةً للطاقةً. إنني أقدرُ أن "فرج فودة" كان يعبر عن آراء مخلصةٍ ولكنه لم يُقتل بسبب جوهر تلك الآراء وإنما بسبب منهجه الصدامي المفرط في المناطحةِ. ولا يعني ذلك أن الجانبَ الآخر كان على صوابٍ: بل إن الذين قتلوه والذين أفتوا بقتله والذين أرضاهم مقتله هم خارج الإنسانية والقانون– بل وخارج أي دينٍ، ومنهجهم كما قتل فرج فودة فقد قتل منذ قرون عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. يضاف لذلك إنني لست صحفياً وإنما خلفيتي هي مؤسسة إقتصادية عالمية رسّخت في عقلي أن الحوار الصارخ لا يليق بأصحاب الحجة والمنطق . أضف لذلك، أن من يجرح الآخرين عليه أن يقبل أن يجرحه الآخرون . لقد إتصل بي فيصل القاسم (من "الجزيرة") مرات عديدة يطلبُ أن أكونَ ضيفَه – بل وأن أختارَ من يحاورني .. وكان ردي أن من المستحيلِ أن ألتحقَ بجوقةِ الصخب الفكري في أي شكلٍ من أشكالها . ودعني أسترسل قليلاً في هذه الجزئية: قبل أن أبلغ العشرين قرأت بشغفٍ مأساةَ سقراط الرجل الذي كان في جانب الفلسفة الأرستوقراطية فلما إنتصر الحزبُ الثوري رأى أنايتس ومليتس أن من الأفضل أن يموت سقراط . والقصة المأساوية لما حدث عندئذٍ كتب عنها كثيرون إلا أن مصدرهم جميعاً كان أفلاطون (أعظم تلاميذ سقراط) الذي سجل القصة فيما لا مثيل له من الإعجاب والعمق والإبداع . كان بوسع سقراط أن ينجو من الموت (بشرب السم) لو أنه فقط طلب الرحمةَ من الجماهيرِ؛ إلا إنه أبى بكبرياءٍ عاليةٍ أن يناشد الجماهير الرحمة . وكما قال ويل ديورانت، فقد كان جوهـر جريمة سقـراط أنه علَّم الناس فوق طاقتهم على التعلم . في سنة 399 قبل ميلاد السيد المسيح أدى سقراط أمام تلاميذه وعلى رأسهم أفلاطون المشهدَ الذي وصفه أفلاطون بعبقريةٍ إذ تجرع السم في ثباتٍ عجيبٍ دون ذرة من ترددٍ أو إرتباكٍ، بل أنه عندما أجهش أبولودوروس بالبكاءِ قال سقراط في هدوءٍ غريبٍ: "ما هذا الصخب؟؟ … لقد طلبت إبعاد النساء عن هذا المكان حتى لا أشعر بالمهانة … إهدأوا وأصبروا" ... مات سقراط بهذه الطريقة التراجيدية ليس لأنه (أحكم وأعدل وأفضل جميع الرجال) حسب كلمات أفلاطون وإنما لأنه لم يعرف أنه خُلِقَ ليس للتأثير في الناس وإنما للتأثير في الذين يؤثرون في الناس .

وأضيف قصة أخرى توضح خلفية منهجي: في سنة 1923 كَتَبَ طه حسين من باريس يقارن بين المستوى الثقافيِّ الفرنسيِّ العام ونظيرِه المصريِّ … قصَّ علينا طه حسين أنه توجه للحلاَّق (حلاَّق الإسفنكس) .. يقولُ طه حسين: (تحدَّثَ إليَّ حلاَّق "الإسفنكس" في سياسةِ فرنسا من جميعِ وجوهِها: مع ألمانيا ومع إنجلترا، في سوريا وفي الجزائر، وقارنَ لي حلاَّقُ "الإسفنكس" بين المذهبين الإنجليزيِّ والفرنسيِّ في الإستعمارِ، وألمَّ لي حلاَّق "الإسفنكس" بطرقٍ من سياسةِ الأحزابِ البرلمانيةِ في بلدِه . وكان حلاَّقُ "الإسفنكس" إشتراكياً من الوجهةِ النظريةِ، ولكنه يائسٌ من مذهبِه الإشتراكيِّ، فهو كغيرِه من الناسِ في الحياةِ العمليةِ . وأؤكدُ لك بأني وجدتُ لذةً جديدةً عظيمةً في الإستماعِ إلى حلاَّقِ "الإسفنكس" . وذكرتُ أولَ خادمةِ فرنسيةِ لي لقيتُها في مرسيليا سنة 1914 فتحدثت إليَّ بما يشبهُ هذا الحديثَ . وتمنيتُ لو كنا جميعاً في مصرَ كحلاَّقِ "الإسفنكس" – وأحسبُ أنَّا سنقطعُ زمناً طويلاً جداً قبل أن تصلَ كثرُتنا المطلقةُ من التعليمِ والتهذيبِ إلى حيث وصلَ حلاَّقُ "الإسفنكس") – إنتهت كلماتُ طه حسين . وأنا أؤمنُ بصوابِ وعمقِِ وواقعيةِ كلِ حرفٍ من هذه الشهادةِ لأحدِ أعظمِ العقولِ في تاريخِنا. إنه من المؤسفِ أن طرائقَنا في الحوارِ وكثرةِ هبوطِ الحوارِ لمستوى بالغِ الإنخفاضِ بل وأحياناً مسف لم تتقدم بل ربما تكونُ خلالُ السنواتَ العشرَ الأخيرةَ قد تراجعت لدرجـةٍ أسوأِ من البعدِ عن الموضوعيةِ – وكل ذلك يملي علىَّ أن أتمسك أكثر بمنهجي: محاولة التأثير فيمن يؤثرون في الناس .. وعرض مشروعي الفكري بقلم (أو لسان) عفيف .. ورغم إحتشاد كتاباتي بالنقد ، فإنه نقد موضوعي لظواهر وليس لأشخاص – فليس هذا مقصدي - ولن يكون.