رسالة مفتوحة لوزير الأوقاف.


عزيزي الدكتور/ حمدي زقزوق ،،

عرفتُك من كتاباتك الفلسفية ومن أطروحتك للدكتوراه كما سبق أن قدمتك للجمهور عندما كنتُ رئيساً لمكتبة مصر الجديدة. وأعرفُ أنك ضمن عددٍ قليلٍ من رجال الفكر الإسلامي المتميزين الذين تزودوا بالعلم من منابعٍ شتى ، وكانت أبرزُ ملامح تكوينهم الثقافي إتقانهم للغة أو أكثر من اللغات الأجنبية. وأنت في ذلك صنو الشيخ مصطفى عبد الرازق الوزير وشيخ الأزهر الأسبق الذي كان يحاضر في الفلسفة بالفرنسية. وقد لاحظتُ عبر مراقبتي للأزهريين أن الذين أتقنوا منهم اللغات الأجنبية كانوا من ذوي الرؤى الرحبة والفهم الإنساني للإسلام. وهذا أمرٌ منطقي. فكما كان طه حسين يقول ، فإنه يستحيل وجود مثقف عربي كبير (بالمعنى الحقيقي لكلمة مثقف كبير) لو لم يكن يطالعُ بإحدى اللغات الأوروبية الأساسية. فجل تراث الإنسانية لم يترجم باللغة العربية. ناهيك عن أن الذي يقرأ باللغة العربية فقط الآن (في زمن إنحسار موجة الترجمة من اللغات الأجنبية) لا يمكن أن يكون ذا تكوينٍ متكامل.

لقد طالعتُ –بإمعانٍ- معظمَ أمهاتِ الكتب في الفقه الإسلامي: قرأتُ المراجع الرئيسية للمذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وطالعتُ معظم كتابات إبن تيمية وإبن قيم الجوزية كما أبحرتُ في فقه المدارس الشيعية وبإمعان خاص في فقه جعفرٍ الصادق. كما طالعتُ أمهات فقه الزيدية والإباضية والصفرية كما أبحرتُ طويلاً في دراسة الفرق (لاسيما الفرق الباطنية) وكذلك في دراسة علم الكلام وأوليتُ إهتماماً كبيراً للمعتزلة والأشاعرة والفرق ذات الغرابة مثل النصيرية كما طالعتُ ما يمكن الوصول إليه من فكر وفقه الدروز (رغم سرية المذهب).

وعندما كنتُ أسمع خطب الجمعة في مصر منذ ثلاثين سنة ، كان من الواضح لي أن المتحدثين تكونوا من ضفيرة حنفية وشافعية. فهذه طبيعة مصر: مصر الرسمية حنفية المذهب ومصر الشعبية شافعية المذهب. أما اليوم فعندما أسمع خطبُ الجمعة لا ألمس أثراً كبيراً لأبي حنيفة ومحمد ابن إدريس الشافعي. وإنما أسمعُ قرع طبول ابن تيمية وابن قيم الجوزية – وهو أمرٌ مستحدث في مصر. ورغم أن العامة تجل ابن تيمية (بسبب ذيوع الثقافة الوهابية في عوالم المسلمين المعاصرة) إلاِّ أن الحنفية يؤمنون أن ابن تيمية ليس فقيهاً كبيراً ولا يمكن مقارنته بأبي حنيفة النعمان أو الشافعي أو الليث أو جعفرٍ الصادق. ولا أدل على ذلك من أنه بإستثناء القرن الأخير ، فإن فكر ابن تيمية لم يعرف الشيوع والذيوع في كبريات الحواضر الإسلامية: مصر والمغرب وسوريا الكبرى وتركيا والعراق – وإنما تسلل خفية لشرق الجزيرة العربية بوجهٍ عام وإلى نجد بوجهٍ خاص حيث وقع عقل عربان الصحراء منبتة الصلة بالحواضر والعالم الخارجي في غرامٍ عنيف مع فكر ابن تيمية وكذلك مع فكر ابن قيم الجوزية .. فقد تلاقى العاشقان المتشددان لدرجةٍ مذهلةٍ من التشدد. أما الحواضر وبالذات ما كان منها ذا تاريخٍ وحضارةٍ طويلةٍ سابقة ، فلم يول فكر الأثنين بل وفكر ابن حنبل نفسه كثير اهتمام.

وتعلمون أنه لولا الثروة الهائلة التي هبطت على الجزيرة العربية لما أمكن للفهم الوهابي للإسلام ولأفكار ابن تيمية أن تحتل مقعد القيادة في عوالم المسلمين والدعوة والفقه وأن تزيح الفهم المصري السوري التركي الذي كان يقوم على الوسطية وعلى فقه من هم أعلى قامة مثل أبي حنيفة والشافعي.

إن لدينا مهمة مقدسة اليوم لكي ندافع عن الإسلام ونعيده (ليس أمام العالم وإنما أمام أنفسنا) معتدلاً وسطياً كما هو في حقيقته. إن عودة الإسلام الوسطي المعتدل لمقعد القيادة في عوالم المسلمين يتطلب خطة محددة لا أرى أحداً أكثر منكم قدرةً على وضعها بحيث نعود أصحاب ذلك الفهم الإنساني الوسطي المعتدل للإسلام كما كنا لقرونٍ طويلة وأن ننقي عقول الدعاة والمسلمين في مجتمعاتنا من تلك السبيكة التي نجمت عن إئتلاف العناصر الثلاثة التالية: الوهابية وفكر سيد قطب والبترودولار الممول لتلك السبيكة.

كذلك فإني لا أظنك تخالفني على أن المستوى الثقافي والمعرفي والإدراكي لعددٍ كبيرٍ من الدعاة هو مستوى إما متوسط أو في كثير من الأحايين دون ذلك كثيراً. لذلك فإنني لا أعلم ما الذي يجعل إنساناً بسيط التكوين الثقافي يتعرض في خطب الجمعة للشئون السياسية والإقتصادية والإجتماعية – وهو الذي لا يستطيع أن يطالع صفحة واحدة بلغة أجنبية ، إن من أوجب واجباتكم كوزير أوقاف بالغ الاستنارة وضع ضوابطٍ لخطب الجمع بحيث لا يتطرق الخطيبُ للشئون السياسية والإقتصادية والتعليم والإعلام وهو في معظم الأحيان لم يبلغ مقام التلميذ في تلك الأودية.

الأجدر بالأئمة أن تكون خطبهم عن الأخلاق الحميدة والعدل والإنصاف والموضوعية والإنسانية والتعامل الذي يرضي الله مع الآخرين أي كانت مللهم والأمانة وحسن الجوار وطلب العلم والإجادة في العمل والتفوق وإنصاف المظلومين وإكرام المرأة وحسن الشعور مع الآخرين ومحاربة النفس الأمارة بالسوء ومساعدة الضعفاء والمحتاجين والمرضى والمعوزين - تلك هي الأودية التي نريد وننتظر أن يخوضوا فيها بعد أن تسلحهم الوزارة بزخم من العلم – أما أن يخوضوا في شئون السياسة والإقتصاد والتعليم فإننا لن نأخذ منهم القذى إذ أنهم لا يكادون يعلمون شيئاً عن أي من ذلك.

إنني لا أريد أن اكرر هنا ما ذكره الشيخ محمد عبده منذ أكثر من قرن من الزمان ، من أنه أمضى سنوات يغسل ما علق برأسه من …………… – ولا أحب أن أستعمل الكلمة التي إستعملها لأنه ليس من طبيعة قلمي إستعمال تلك المفردات.

ولعلك تشاركني الرأي أن طه حسين كان عظيماً للغاية إذ قال وهو على السفينة من الإسكندرية إلى مرسيليا عام 1914 (وعلى السفينة ، خلعت العمامة عن رأسي وقلبي).

إنني لا أصدق أن وزير الأوقاف قد خسر معركة توحيد الآذان. ويثير خوفي أن يكون الأمر كذلك. فتوحيد الآذان أمرٌ يسيرٌ بالنسبة لما دعوتكم إليه في هذا المقال. إن القيادة الحكيمة والرشيدة والقادرة تقف مذهولة أمام واقع أن أئمة المساجد قد ربحوا معركة الآذان.

إن وزير الأوقاف لا يأتي إلينا كل عام أو كل عقد من الزمان بمحصول ثقافي كمحصولكم ودراسة عارمة للفلسفة الألمانية والإسلامية .. فمن الذي سيفعل ما إقترحته بهذا المقال إن لم يفعله دارسو الفلسفة الألمانية أي أفضل منتج للعقل الإنساني على مر القرون.

وأخيراً، فلماذا لا يتكون المجلس الأعلى للشئون الإسلامية من نخبة من أساتذة العلوم الإسلامية وعدد مماثل لهم من كبار المثقفين؟ كذلك لماذا يسمح بالفتوى على أسسٍ حنبلية في دولةٍ عاشت قروناً طوال بين المذهب الحنفي والمذهب الشافعي؟

السيد الوزير: أنت تعلم أن أبا حنيفة لم يترك كتاباً واحداً وأن ابن تيمية ترك كتباً تملأ غرفاً بأكملها .. وأنت تعلم لماذا لم يكتب أبو حنيفة. فقد كانت رسالة ابي حنيفة للناس أن كل ما قاله هو ابن زمانه ومكانه. أما ابن تيمية فقد ظن مثلما ظن مريدوه أنه يكتب لكل زمان ومكان – وتلك مهزلة فكرية تدعو للضحك والبكاء معاً. وأرجو أن تغفر لي روح ابي حنيفة إن قارنته بمن لا يبلغون رتبة تلاميذه.