ملاحظات جوهـرية
حول موضوع "قيـم التقـدم"



في أواخر سنة 2000 دعتني الجامعةُ الأمريكية بالقاهرة للحديثِ عن طبيعةِ الإصلاح الذي أنشده للتعليم في مصرَ. وفي محاضرتي بمبنى "المعسكر اليوناني" بالجامعةِ تحدثت بإستفاضةٍ عن الفارقِ بين "التغيير الكميّ" في نظامِ تعليمٍ معينٍ وبين "التغيير الكيفي أو النوعي" . وقلت أننا أولينا "التغيير الكيفي أو النوعي" القليلَ من العناية والإهتمام نظراً لبقاءِ فلسفتنا التعليمية قائمةً على "التلقين" و"إختبارات الذاكرة" مع قليلٍ جداً من الإهتمامِ بالإبداعِ "والحوار" ("الديالوج" في مواجهة "المونولوج") وبقاء التعليم قائماً على فكرةِ أن المدرسَ " جهازُ إرسالٍ للمعرفةِ" وأن التلميذَ أو الطالبَ "جهازُ تلقي واستقبالٍ لما يرسله المدرسُ". وعندما دعتني جامعتا برنستون (Princeton ) وكولومبيا (Colombia) في شرق الولايات المتحدة وجامعة كاليفورنيا بيركلي (California Berkeley) في غرب الولايات المتحدة في الربع الأول من سنه 2001 لإلقاء محاضراتٍ على طلبةِ أقسامِ الدكتوراة بمراكزِ دراساتِ الشرق الأوسط بها عدت في هذه المحاضرات إلى ضرورةِ حدوثِ ثورةٍ تعليميةٍ في منطقة الشرق الأوسط إذا كان المرادُ هو غلبة سيناريو السلام (السلام الحقيقي القائم على الشرعية ومبادئ القانون الدولي) والتنمية الشاملة (إقتصادياً وثقافياً وإجتماعياً) ...وأن هذه الثورة التعليميةِ على تعقِدها وتركيبيتها تقوم في الأساسِ على فلسفةٍ تتوخى بذر قيمٍ معينة سميتها "قيم التقدم" .

ثم عدت منذ شهر أغسطس 2001 للإهتمام الفكري المكثف بهذه القيم كردِ فعلٍ لقنوطي الشديد من وجودِ موضوعٍ عامٍ كبيرٍ لا تتشرذم في مواجهته الآراءُ في مجتمعنا. فنحن إن تحدثنا عن (محمد على) أو (طه حسين) أو (جمال عبد الناصر) أو (أنور السادات) أو (العلمانية) أو (التنوير) أو (الحداثة) أو (العولمة) أو (السلام في الشرق الأوسط) سوف نختلف كمجموعاتٍ فكريةٍ من البداية إختلافات لا سقف لها وسيصل بنا التشرذمُ إلى أبعد مدى كما أن حبلَ الحوارِ المتحضر القائم على العقلانيةِ والموضوعيةِ سينقطع من البدايةِ ويدخل العديدون منا في "مواويلِ تراشقٍ بأقذعِ النعوتِ والتهمِ".

ولا يخفي كاتبُ هذه السطور أنه عندما بحث عن موضوعٍ "قد" لا يحدث حوله هذا الإنقسام والتشرذم (أو على الأقل يحدث حوله إنقسام بدرجات أخف) لم يجد إلاَّ هذا الموضوع الذي كان قد "زاره" فكرياً عدة مراتٍ في محاضراتٍ ومقالاتٍ متفرقةٍ وهو موضوع "قيم التقدم". وهكذا، بدا لي الموضوعُ وكأنه أكثر المواضيع قابلية للبعدِ عن التناولِ من زوايا أيدولوجية: فليس في موضوعِ قيمِ التقدمِ بالشكلِ الذي أتناوله ما يدعو لتقسيمِ الناسِ لإسلاميين وغير إسلاميين أو لاشتراكيين ورأسماليين أو لناصريين وساداتيين... فقد بدا لي الموضوعُ (بالكيفية التي تناولته بها في المحاضراتِ التي أشرت إليها في مستهلِ هذا الحديث) "غير مذهبي" أي "غير أيديولوجي" إلى حدٍ بعيدٍ – وهو ما سوَّل لي أن النظرةَ إليه والحوارَ بشأنه "قد" تكون أدنى للموضوعيةِ والحيادِ وعدمِ التشرذمِ والتمذهبِ كما يحدث عادةً في معظمِ حواراتنا العامةِ المعاصرةِ.

وقد أكون بهذا التصور مُغرقاً في الخيالِ أو عدمِ الواقعيةِ – ولكن منذ متى كان "كسر الجمود" يأتي إلاَّ من أفكارِ أولئك الذي يملكون القدرةَ على الحلمِ والخيالِ؟ .. أن بعضَ مدارسِ الإدارةِ الحديثةِ تتطلب في تفكيرِ رجالِ الإدارةِ العليا توفر صفتين قد يظهرا متناقضتين في البدايةِ – إلاَّ أن حقيقة الواقعِ غير ذلك ، فهناك أفراد عديدون (هم الذي ينجحون في أعمال الإدارة العليا) تتوفر فيه الصفتان وهما: القدرة على الخيال Power of Imagination والشعور بالواقع Sense of Reality فعسى أن يكون تصوري عن إمكانيةِ تعاملِ المثقفين والرأي العام في واقعنا اليوم مع موضوعِ قيمِ التقدمِ تعاملاً خالياً من التمذهب والتشرذم – عسى أن يكون تصوري هذا متسماً بالتوازنِ ما بين "القدرةِ على الخيالِ" و"الشعورِ بالواقعِ" وألاَّ أكون قد "فررت" لهذا الموضوع تحت شعورٍ طاغٍ باليأس من إمكانيةِ تناولِ موضوعٍ عامٍ هامٍ في واقعنا بالعقلِ والحكمةِ والموضوعيةِ وليس بمسكِ الحجارة في اليدِ لرجمِ الموضوعِ (أو صاحبه) لإعتياد البعض منّا على "مسكِ حجارةِ الرجم" أكثر من إعتياده على "الحوار" – فالأول "أسهل" عقلياً ويمكنّ صاحبَه (إذا أراد) أن يلصق بنفِسه "أشرفَ النعوتِ" وبخصومِه "نقيضَ كل ذلك" .

ولا أَتصور أن أكون في مستهل فصل بعنوان "قيم التقدم" دون أن أُشير لإشكاليةٍ فكريةٍ يصعب على أي مثقفٍ أَلاَّ يتوقف أَمامها وهو ينظر في فصلٍ بعنوان "قيم التقدم" وأعنى إشكالية (هل تؤدي الديموقراطية لشيوعِ وذيوعِ قيمِ التقدم هذه التي أُسلط الضوءَ على أهمها في هذا الكتيب أم أن هذه القيم قادرةٌ – حتى في بيئاتٍ ذات حظٍ متواضعٍ من الديموقراطية – أن تخلق مناخاً عاماً يعجل من تعاظم الهامش الديموقراطي وتحوله إلى ديموقراطية رحبةٍ؟ …بل أن هذا البعد جعلني أتساءل عن مدى معقوليةِ تقديم كتيب بعنوان "قيم التقدم" إذا كان من المنطقي أَن يقطع البعضُ الطريقَ على عربة هذا الكتيب بلافتة تقول: وهل من سبيلٍ لتأصيل ونشر هذه القيم في ظلِ هامشٍ ديموقراطي قد يكون متنامياً إلاَّ أنه بالقطع صغير! … أقول : كاد هذا الهاجس الفكري يحملني على إلحاق مادة هذا الكتيب برمتها إلي "ملف الكتابات المرجأ نشرها": وهو الأغزر مادة ، رغم أن "ملفَ الكتاباتِ المنشورة" يضم آلاف الصفحات…كاد هذا الهاجس أن يحمل هذا الفصل (عن "قيم التقدم") إلى "الملف المؤجل" لولا مصادفة مطالعتي لعددٍ من الدراساتِ عن تجارب عشر دول في جنوبِ شرق آسيا وأمريكا اللاتينية كانت منذ عشرين سنة (بدون طفرةٍ إقتصادية) و(بدون ديموقراطية) و(بدون قيمِ التقدم التي يتحدث هذا الكتيبُ عنها) ثم أَضحت غنيةً (نسبياً) بالعناصرِ الثلاثةِ. ورغم علمي (وعلم الكثيرين في واقعِنا) بهذه التجارب وتسلسل فقرات نهضتها، إلاَّ أنني كنت بحاجةٍ لمواجهةِ فحواها في هذا الوقتِ بالتحديد… وفحوى هذه الدراسات أن البشريةَ كما عرفت تجارباً كانت فيها "الديموقراطية الرحبةُ" هي الأطارَ العام الذي في ظله حدثت النهضةُ الإقتصاديةُ والعلميةُ والتعليميةُ والثقافيةُ والإجتماعيةُ وبمحاذاة ذلك رسخت قيم التقدم في مجتمعاتِها؛ فإن هناك تجارباً أُخرى (مثل الدول التي تقدمت بطفراتٍ واضحةٍ في جنوبِ شرق آسيا وأمريكا اللاتينية) كان النهج فيها مختلفاً : فعِوضاً عن عمليةِ "الطبخ الهادئة والطويلة" للتطور كما حدث في أوربا على مدى قرونٍ ؛ فإن تجاربَ هذه الدول / الطفرات في آسيا وأمريكا اللاتينية قامت فيها قاطرتان بجذبِ المجتمعِ لعمليةِ التنميةِ والتطوير: أما القاطرةُ الأولى فتمثلت في كادرٍ بشريٍّ من القياداتِ التنفيذية كان من جهةٍ يجسّد قيم التقدم وكان من جهةٍ ثانية يفرضها فرضاً على المناخ العام … وأَما القاطرةُ الثانية فتمثلت في إصلاحٍ جوهريٍّ وجذريٍّ للنظامِ التعليمي وإقامةِ النظامِ الجديد على أساسٍ من "قيم التقدم" بحيث تخدم "القاطرةُ الأولى" المدى القصير والمتوسط …بينما تخدم "القاطرةُ الثانية" المدى المتوسط والطويل… ومن خلال عمل القاطرتين – وبالقيادةِ والقدوةِ والتعليمِ الخلاقِ- تنتشر "قيمُ التقدمِ" وتخلق مناخاً عاماً يسمح بالحراكِ الإجتماعي الفعّال والمثمر وتخلق طبقةً وسطى عريضةً وذات ركائزٍ ثقافية وإقتصادية في آنٍ واحدٍ ويواكب ذلك "إصرارٌ حتمي" (مع "إستعداد موازي") على توسعةِ الهامشِ الديموقراطي وهو ما حدث بحذافيرِه في تجاربِ بلدان الطفرة في آسيا وأمريكا اللاتينية – وهو الرد الوحيد المعقول على دعوةِ البعضِ بأن بعضَ الشعوب عليها أن تنتظر طويلاً قبل حلول الديموقراطية الرحبة بزعم أنها شعوبٌ غير مستعدةٍ لمثل هذه الديموقراطية الرحبة. فإنتظار الديموقراطية بعد قرنٍ دعوى لا يقبلها إلاَّ أنصارُ الإستبداد (وأنصار فوائده) أَما أنصار الديموقراطية( بصفتها أعظم إنجازات البشرية منذ وجدت) فإنهم لن يتوقفوا عن البحث عن صيغٍ تحقق الديموقراطية الرحبة وخلال عقودٍ معدودةٍ من الزمنِ مع خلقِ أُطر وآلياتِ الديمقراطية في نفسِ الوقتِ حتى لا تكون الديمقراطيةُ (بغير تنميةٍ شاملةٍ) الجسرَ الذي يعبر عليه أعداءُ الديمقراطية من ضفةِ (اللا-سلطة) إلى ضفةِ (السلطة المطلقة إلى أبد الآبدين).

وهكذا، فإنني أعتقدُ أننا لا ينبغي أن ننشغل عن "قيمِ التقدمِ" بأية أُطروحاتٍ تقول أنها غيرُ قابلةٍ للغرسِ بتربتنا.

وأخيراً ، فإنني أُقدم هذا الفصل وأنا أًعلمُ أنني قدمت "معظم قيم التقدم" ولم أُقدم "كل قيم التقدم" – بمعنى أن ما أُسلط عليه الضوء في هذا الكتيب ليس إيراداً على سبيلِ الحصرِ لقيمِ التقدم وإنما هي مجرد أمثلة لما أعتقد أنه "من أهم هذه القيم"...ويبقى من حقِ الآخرين الإضافة والحذف – للقائمة المعروضة في هذا الفصل – فالغرضُ هو الحديث عن "قيم تصنع التقدم" وليس الزعم بحصرِ هذه القيم .