نحـن ...وآراؤنــا



تناولتُ في فصلٍ سابقٍ النظرةَ الشائعةَ للآخر إما بوصفِه "معنا" أو "علينا". ولاشك عندي أن ذلك ليس سوى عيب ثقافي ذائع وليس سمةً مؤبدةً من سماتِ ثقافِتنا، فكاتبُ هذه السطور لا يؤمن بوجودِ سماتٍ ثقافيةٍ أبديةٍ، وإنما هي مكتسبات أو نتائج أو ثمار طبيعية لعناصرٍ عدةٍ. ومن العيوبِ الثقافيةِ التي تشبه هذا العيب وإن كان عيباً ذا وجود مستقل اعتبارُ العديدين منّا أن آراءهم جزءٌ منهم ومن كيانِهم وبالتالي فإنها جزءٌ من كرامتهم وكبريائهم. وما أعنيه هنا أن أعداداً كبيرة للغايةِ منا ترى أن الإنسانَ وآراؤه يكونان "كلاً واحداً"، بمعنى أن شخصية الإنسان تشمل آرائه ووجهات نظره.

وقـد أظهـرت لـي تجربـةُ التعامـلِ الطـويـلِ مع أبناءِ الحضارةِ الغربيةِ وكذلك مع أبناءِ الحضارتين الشرقيتين الكبيرتين اليابانية والصينية أن الإنسانَ في مجتمعاتِ هذه الحضارات لا يعتبر أن آراءَه جزءٌ منه وبالتالي من كرامِته وكبريائه بل كنت أرى -طيلة ما يقرب من عشرين سنة من التعاملِ الكثيفِ واللصيقِ مع أبناءِ هذه المجتمعات أن إنسانَ هذه الثقافاتِ يفصلُ بوضوحٍ تامٍ ما بين "ذاته" و"آرائه"، بل وكنت في مئاتِ الحواراتِ أرى أن إنسانَ هذه الثقافاتِ يبدو أثناء الحوار وكأنه يضع آراءَه على مائدةِ الحوار مع آراء أخرى يضعها على نفسِ المائدةِ غيرُه ثم تتعامل وتتفاعل الآراءُ مع بعضِها بمعزلٍ عن اتصالِها بكينونةِ أصحابِها . . . في عمليةٍ يستقلُ فيها الإنسانُ عن الآراءِ المطروحةِ. وبعد تفاعل الحوار، فإن كل إنسان يأخذ من فَوق المائدة "منتجاً" جديداً غير الذي وضعه بيده عليها -أنه نتاجُ تلاقحِ الأفكارِ والآراءِ ووجهاتِ النظرِ بشكلٍ حرٍ وخالٍ من العصبيةِ والانفعالِ الناجمِ عن التصاقِ الآراءِ بأصحابِها وكرامتهم وكبريائهم.

أَما عندنا، فالأمرُ مختلفٌ كل الاختلاف إذ أن الآراءَ تكاد تكون لأصحابِها مثل الأعضاءِ والملامحِ فهم من جهةٍ يعتزون بها اعتزازاً يخرج بالعلاقةِ عن إطارِ الموضوعية ويدلف بها إلى دائرة الذاتيةِ والشخصانيةِ، وهم من جهةٍ أُخرى يخلطون ما بين كرامتهم وكبريائهم وأي مساسٍ بتلك الآراء أو محاولة لدحضها أو تفنيدها أو حتى تعديلها. وفى ظل عيوبٍ ثقافيةٍ أُخرى، مثل تقلص السماحة وتآكل هامش الموضوعية والنظرة للآخر من منطلق السؤال الكبير: أهو معنا؟ .. أم علينا؟ مع حقائقٍ اجتماعيةٍ أُخرى يصعبُ إنكارُها مثل حداثة مفهوم المواطنة وغلبة الانتماء للعائلة والقرية وتفشى السطحية التعليمية والثقافية ونحافة التربية الديمقراطية في المجتمع من قاعدتِه لقمتِه مروراً بالأسرة والمدرسة والوظيفة والمناخ الثقافي العام. . . في ظل كل ذلك معاً، فإن أسبابَ دمجِ “الذات” مع "الآراء" تتعاظمُ وتجعلنا أمام واحدٍ من أهم عوائق التقدم: فالتقدمُ يتطلب هواءً طلقاً ينمو فيه الحوارُ ويتطور وتتفاعل فيه الآراءُ ووجهاتُ النظرِ في معادلةٍ مستمرةٍ تدفعُ بالعقولِ ودرجاتِ ومكوناتِ الوعي بل والمجتمع بأسره لمقاماتٍ أعلى من مقامات التطور الفكري والثقافي وهو أساس التقدم الأول. وأكرر هنا أن تطورَ الشق الثقافي كان دائماً سابقاً لتطور الشق العلمي المادي في كل الحضارات الكبرى، لأن خلقَ المناخِ الفكري والثقافي الرحب والخصب والثرى والذي يسمح بطرح الأفكار الجديدة وتلاقح وجهات النظر وتفاعل الرؤى هو الذي يخلق المناخَ الأمثل للتقدم العلمي والتقني.

وكاتبُ هذه السطور لا يمل من تكرار قوله أن هوميروس ويوروبيدوس وأفلاطون وسقراط وأرستوفان وأرسطوطاليس كانوا مؤسسي المناخ العام الذي ازدهرت فيه العلومُ التطبيقيةُ في الحضارةِ الإغريقيةِ. . . وأَن الأدباءَ والشعراءَ والمتكلمة (الفلاسفة) كانوا السابقين في الحضارة العربية وفى ظل المناخ العام الذي أوجدوه جاء العلماءُ من أمثال ابن الهيثم وابن سينا والرازي ... ونفس الشيء هو ما حدث في عصر النهضة إذ جاء الفلاسفة والأدباء والشعراء والفنانون الكبار ليخلقوا المناخ العام لما يسمى الآن بالحضارة الغربية.

ويستحيل أن تحدث تلك الفورة الفكرية والخصوبة الثقافية في ظل مناخٍ عامٍ يكون الإنسانُ وآراؤه فيه شيئاً واحداً.