مـا العمـل ؟

لا أَكلُ من ترديدِ أن أوضاَعنا العامة والاجتماعية هما نتيجةٌ مباشرةٌ لتردي أحوالنا الإقتصادية والتعليمية والثقافية وأن ذلكَ هو نتيجةٌ طبيعيةٌ للفقرِ الشديدِ في تكوين الكادر البشري المسؤول عن قيادةِ العملِ الإداري/ التنفيذي في آلافِ المواقع بكل الوزاراتِ والإداراتِ والوحداتِ الإقتصادية سواء منها ما يسمى الآن بوحداتِ قطاع الأعمال أو ما يندرج منها تحت مسمى المؤسساتِ الخاصة وكذلك كل الوحدات الخدمية. فالكادرُ البشري الذي يُناط به قيادة العمل الإداري/ التنفيذي في كل تلك المواقع شبه مفرغ من مؤهلاتِ القيادةِ الإداريةِ العصريةِ الناجحةِ والفعالةِ. إن لدينا في كل هذه المواقع "رؤساء عمل" وليس لدينا من يصح أن نسميهم بالقادة التنفيذيين فالمشكلة في صلبها وتشخيصها وفيما يتعلقُ بعلاجِها "مشكلة إدارية" للنخاع.

وإذا كان البعض يشعرُ أحياناً بصعوبة التفاؤل بسبب هول حجم المشكلة أو بالأحرى المشكلات، فإنني أَعتقدُ أن موقفَ التفاؤل أو موقف التشاؤم هنا موقفٌ عاطفي ولكنه ليس بموقفٍ علميّ. فحسب مفاهيم علوم الإدارة الحديثة فإن كلَ الأوضاع قابلة للتغيير إلى ما هو أسوأ كما أنها قابلة للتغيير إلى ما هو أفضل -ويتوقف الأمرُ على الكادر الإداري القيادي الذي يفرزه المجتمعُ، فإن كان من كوادر الموظفين العموميين بمفاهيم معظم العقود الأولى من القرن العشرين كنا على طريق استحالة الأمل وفي المقابل فإذا كان الكادرُ المذكور منتمياً لكوادر الإدارة الحديثة والتي تعمل بآلياتٍ وتقنياتٍ مختلفة فإن الأملَ يصبح كبيراً في التغير إلى الأفضل.

وبالتالي فإن أكبر التحديات التي تواجه أَية حكومةٍ في مصرَ هو التحدي الخاص بإختيار القيادات في كل المواقع بمختلف الوحدات وأيضاً بروح عمل هؤلاء. وليس من الصحيح أن يقول البعض : "ومن أين نأتي بهؤلاء؟ !!…

فإذا كان الواقع يؤكد أنه ليس لدينا مخزون كبير من القادة الفعاليين لمختلف المواقع (وذلك بسبب تدهور المستويات العامة خلال العقود الأخيرة) فإن الواقع أيضاً يثبت أن لدينا (في معظم المواقع) من هم أَفضل نسبياً لو تجاسرنا وواجهنا العديد من عيوبنا الذائعة مثل "الشخصانية" في الإختيارات.. ومفاهيم بالية مثل "الأقدمية" كمعيارٍ أَساسي للإختيار...وجنوح الرؤساء في العديد من مواقع العمل لإختيار من هو "أسلم" لهم عوضاً عن إختيار الأكثر كفاءة .. وكذلك طغيان قيم المصالح والمال والنفوذ في مواقع يجب أن تختفي فيها هذه القيم. لو تجاسرنا وواجهنا (بشجاعةٍ أدبية) جل هذه العيوب فإننا يمكن أن نوفر كوادر بشرية أفضل (نسبياً) في العديد من المواقع القيادية …ولا يعني أننا سنحصل على نتائج مثلى لأن معطيات وعناصر النتائج المثلى شبة منعدمة بسبب المناخ العام (القدوة…التعليم…الإعلام…الفساد بصورتيه : الأدبية والمادية)…ولكننا – لاشك- سنحصل على معدل تقدم أفضل- أما النتائج المثلى فيمكن فقط حدوثها (عبر عقد واحد من الزمان) لو توفرت العناصر المثلى في الرقائق العليا للهرم المجتمعي – وهو أمر حدث بالفعل في العديد من البلدان ولكنه لم يحدث في منطقتنا بأسرها خلال كل العقود الأخيرة.

ويقودنا ما سلف إلى السؤال الهام وهو: ما العمل؟…والإجابة يجب ألاَ تكون من خزان الإقتراحات النظرية لكل عقل يتصدى للإجابة عن هذا السؤال وإنما ينبغي أن يكون الجوابُ من مراجعةِ محايٍدةٍ لما حدث في الواقع المعاش خلال العقود والقرون الماضية.

وإذا فعلنا ذلك فإننا سنجد أننا بصدد آليتين (أو نظامين) لبلوغ المراد في هذا الشأن:
  • أما الآلية الأولى فتتمثل في العمل الدؤوب على إحداث تغيرات كمية إيجابية في كلِ موقعٍ أو مكانٍ أو جهةٍ تساهم (إيجابياً أو سلبياً) في تكوين مستويات القيادات . ونحن هنا أمام معضلة كبيرة لأن ذلك يعني أن علينا أن نعمل عملاً دؤوباً ووفق رؤيةٍ واضحةٍ ومن أجل أهدافٍ محددةٍ في مجالاتٍ بالغةِ التشعب. فالتعليمُ جهة ذات صلة وثيقة بهذا الأمر إذ أن العديدَ من قيم التقدم وقيم العمل الحديثة تُغرس في الإنسان من خلالِ سنواتِ التعليم وبرامجه ومدرسيه وأساتذته...والإعلامُ بدوره جهة بالغة التأثير في هذا المجال...ونفس الشيء يقال علي المؤسسة الدينية أو المؤسسات الدينية فإن دورَها لا ينكر في هذا المجال...والحياة الثقافية هي أيضاً مساهم كبير فيما يعنينا في هذا المقام...والقدوة التي تقدمها القياداتُ التنفيذية العليا هي مساهم كبير للغاية بالشكلين الإيجابي والسلبي في هذا الشأن...وبرامج التدريب الإدارية هي كذلك لاعب رئيسي في ملعبِ هذا الموضوع. ورغم صعوبة هذه الآلية إلاَ أنه لا مفر من المحاولةِ عن طريقها لأنها الآليةُ المضمونة حيث يؤدي العملُ التراكمي الإيجابي لإحداث التغيرات المنشودة . ولكن من عيوب هذه الآلية أولاً: صعوبتها وثانياً: تشعبها وثالثاً: عدم قدرتها على الإنجاز السريع ورابعاً: إحتياجها لنقطةِ بدايةٍ تتمثل في مبادرةٍ من رقائق المجتمع العليا...إِلاِّ أنه لا مفر من العمل وفق معطيات هذه الآلية.
  • وأما الآليةُ الثانية فتتمثل في حركةِ تغييرٍ واسعةٍ وكبيرةٍ في معظم الرقائق العليا للمواقع القيادية التنفيذية تغيراً يأتي بمن يفرضون قواعداً ونظماً في العمل والأداء تكفل النهضة المنشودة بسرعة أكبر جداً من سرعة إنجاز الآلية الأولى.
ومن الواضح أن الآلية الأولى هي التي عملت في العالم الأوربي الغربي بروافده في القارة الأمريكية الشمالية والتي يمكن أن تسمى بآلية المطبخ البطيء. كما أنه من الواضح أن الآلية الثانية هي التي إتُبعت في البلدان التي سميتُها في كتابٍ حديثٍ لي بدول الطفرة مثل العديد من الدول الآسيوية وبعض دول أمريكا اللاتينية. وبينما بلغت الآلية الأولى أهدافها عبر قرون فإن الآلية الثانية قد بلغت أهدافها في عقود قليلة كانت في أفضل النماذج (مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية) في حدود عشر سنوات فقط...بينما كانت في بلدان أخرى (مثل سنغافورة وتايوان وتايلاند وكوستاريكا) قد استغرقت ما بين عشرين وخمسة وعشرين سنة.

ويمكن لدارسي نماذج التطور والتنمية المشار إليها أعلاه أن يقترح أن مجتمعاً مثل مصر ينبغي أن يجمع بين النظامين فيحاول أن يتبع في نفس الوقت الآلية الأولى بمحاذاة محاولة جادة أخرى لإتباع الآلية الثانية لإن ذلكَ أكثر ضماناً لعدم إستفحال عملية تدهور المستويات العامة في الواقع المصري والتي تشمل المستويات الإقتصادية والإجتماعية والإعلامية والتعليمية والإنتاجية والخدمية بل وفي مجالاتٍ أخرى كالمجالاتِ الرياضيةِ والثقافيةِ والفنيةِ وهو أمرٌ بالغ الخطورة ليس فقط على مصرَ وإنما على المنطقةِ بأسرها – فقد كنتُ ولا أزال أؤمنُ أن المتغيرات الكبرى في هذه المنطقة سلباً أو إيجاباً إرتبطت وسوف ترتبط بمصرَ: فعندما قدم محمدُ علي نموذجه للنهضة وهو النموذج الذي لم يشغله وجود أي تناقض بين معطيات الماضي ومعطيات الحاضر والمستقبل فإن المنطقة بأسرها حذت (أو حاولت) حذوه...وعندما إنكسر المشروع النهضوي المصري إنكسرت المشاريع النهضوية في المنطقة وعندما رفعت مصرُ أعلامَ الإشتراكية والقومية العربية رفعت المنطقة نفس الأعلام...وعندما غيرت مصرُ في أواخر السبعينيات أسلوب تناولها للصراع العربي الإسرائيلي تمردت المنطقة بأسرها ثم اقتفت نفس الخطوات (وهذا أمر حدث أي واقعي منبت الصلة بصواب أو خطأ المنهج)...وحتى ما يسمى بالإسلام السياسي (وهو مشروع سياسي بحت لا علاقة له بالدين إِلاَّ إستعمال الدين لتحقيق أهداف سياسية) فإن معظم أدبيات هذا المشروع هي إما منتج مصري أو منتج تم تجديده على أيدي مصريين.


(الأهرام 15/6/2002) .