غلطتان في حق المصريين

غلطتان (أو فريتان من إفتراء) كبريان يرددهما كثيرون في مصرَ وخارجها: يرددهما بسطاء وعلماء، مصريون وغرباء، ساذجون وخبراء. أما الغلطة (أو الفرية الأولى) ففحواها أن مصر والمصرييين لا ينتجون إلآَّ الحكم المركزي الذي يختزل الأمة المصرية في عددٍ قليل من الرجال...وأن مصرَ (عبر تاريخها الطويل) ما فتأت تحوّل كل الصيغ إلى هذه الصيغة المصرية التي تبلغ فيها "المركزية" حدها الأعلى، وصورتها شبه المطلقة. أما الغلطة (أو الفرية) الثانية فهي أن المصريين (في نسبة عالية منهم) بسطاء التعليم والمعرفة وبعيدون عن الحد الأدنى من العلم والثقافة الذين بدونهم لا يصلحون للديموقراطية.

أَما دحض الغلطة (أو الفرية) الأولى فميسور للغاية: فمن جهة أولى، فإننا نعلم القليل جداً عن تفاصيل الحكم والحياة السياسية في مصرَ قبل نهاية ما نعرفه بمصر القديمة (بشكل تقريبي: من 3000 قبل الميلاد وحتى 300 قبل الميلاد). وأعني أننا ليس لدينا محصول معرفي علمي عن آليات الحكم خلال تلك القرون، وحتى لو كان ما يتردد في التراث عن "مركزية الفرعون الهائلة" صحيحاً، فإن الصلة بين ذلك العهد والزمن الحالي يصعب تصورها. اما خلال القرون من 300 قبل الميلاد وحتى منتصف القرن العشرين الميلادي، فقد كان حكامُنا "غير مصريين" وبالتالي، فإذا كنا قد عشنا في ظل مركزية مطلقة، فهي ليست من صنعنا وإنما من صنع "حكام غرباء". أما أبان سني الحياة النيابية الحديثة (من 1924 إلى 1952) فرغم صعوبة الزعم بوجود ديموقراطية واسعة (خلال تلك الحقبة) إِلاَّ أنه من الصعب أيضاً إنكار وجود نضال مصري وطني عظيم "ضد المركزية". وقد شاركت الأغلبية الوفدية في هذا النضال كما شاركت أحزاب الأقلية (والمثال الأكبر هو موقف حزب الأحرار الدستوريين مما حاول كل من الملك فؤاد وإسماعيل باشا صدقي توطيده سياسياً في السنوات الثلاث الأولي من ثلاثينيات القرن العشرين). وإذا كانت هناك أخطاء كثيرة شابت تجربتنا الليبرالية خلال هذه السنوات الثلاثين فإن ميزتها الكبرى كانت هي "النضال المصري الوطني" في إتجاة معاكس "للمركزية السلطوية المطلقة". أما بعد 1952 فرغم وجود ضفيرة من الإنجازات والنقائص، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر ان الإتجاه العام كان في جانب تأصيل "المركزية" وإضعاف "اللامركزية". ولعل ما حدث لمنصبي "العمدة" و"شيخ البلد" يُجسد كل هذه الظاهرة: فبينما كان المنصبان المذكوران يجسدان (في الماضي) اللامركزية حيث كانا بمثابة "حكومة محلية" و "جهاز أمن محلي" (وكلاهما من معالم اللامركزية) فإن القضاء على هذا النظام وإستبداله بالعمدة وشيخ البلد الذين تعينهما الحكومة المركزية قد قضى على أبرز وجوه اللامركزية المصرية.

وهكذا يتضح أن الإدعاء بأن المصريين عبر تاريخهم لم ينتجوا إِلاَّ (المركزية المفرطة) هو زعم لا أساس له .فهذه المركزية خلال 22 قرناً كانت (بفرض توفرها) من صنع حكام غير مصريين، أما إبان سني تجربة الديموقراطية المبسترة (من 1924 إلى 1952) فقد حاولت الحركة الوطنية المصرية العمل تقزيم المركزية وما بعد 1952 كان عرضاً طبيعياً لنظام حكم لم ينكر أنه كان يقوم على الحزب الواحد وهو ما يسوّغ (عند البعض) تأصيل المركزية وتقزيم اللامركزية.

أن مصر تنتج بلا شك "مركزية شديدة" على مستوى الحكم الفوقي (قمة السلطة) ولكن هذا لا يعنى ترجمة ذلك إلى مركزية مطلقة مماثلة على كافة المستويات، وإلا ما كنا عرفنا ما يشبه "الحكم المحلي" عندما كان "العمدة" و"شيخ البلد" يمارسان الأدوار التي كانوا يمارسونها في واقعنا لعهدٍ طويلٍ وعندما كانوا يأتون بغير التعيين من الحكومة.

أما الغلطة (أو الفرية) الثانية، وهي ان المصريين غير صالحين (بسبب مستواهم التعليمي والمعرفي) للديموقراطية فهي (خطأ آخر كبير). فالتاريخ يؤكد أن الديموقراطية إستتبت في بريطانيا في مطلع القرن التاسع عشر في ظل نسبة أمية عالية للغاية. ورغم إرتفاع مستوى المواطن الأمريكي العادي عن مثيله لدينا، فانه (في الواقع) لا يصلح للبت في معظم الأمور التي تحتاج لموازنة بين الأضداد ثم الإختيار...ناهيك عن كون معرفته بالعالم (خارج الولايات المتحدة) تقرب من العدم. ان الديموقراطية في كل حالاتها المعاصرة تقوم على إختيار من يمارسون الحياة السياسية نيابة عن "العامة". ويمكن للديموقراطية أن (تصيب) كما يمكن أن (تخطأ) (والمثال الأكبر: هو أن أدولف هتلر وصل للسلطة في المانيا بأدوات ديموقراطية سليمة). إذن جوهر الديموقراطية ليس (العلم الغزير للشعوب) وإنما (آلية التغيير وتداول السلطة). ويعني هذا الكلام أن الديموقراطية ليست (كمالاً مطلقاً) فلا يوجد أي "كمال مطلق" في أي عمل بشري. وإنما هي (حالة أفضل من سواها). والمحك الذي يجعل الديموقراطية افضل من سواها هو أنها تؤدي لعدم ظهور أكبر عيب في الطبيعة البشرية وهو "إستمرار بشر في الحكم بدون حدٍ زمني": ف مجرد توفر ظاهرة "تداول السلطة" يحد من عيوبنا البشرية التي تصل لحد بعيد عندما يظن بشرُ انهم دائمون (ما دامت حياتهم) فوق مقاعد السلطة.

وهكذا يتضح أننا نقبل افتراءات في حقنا نكررها على كافة المستويات ويكررها متعلمون وخلافهم ويكررها مصريون وأجانب رغم أنها إفتراءات لا أساس لها ولا تخدم إِلاَّ الذين يريدون حرماننا من أعظم إنجاز للبشرية وهو "الديموقراطية" التي حوّلت مفهوم الحكام تحولاً هائلاً في صالح المواطنين.


(الأهرام 25/1/2003)