حول التغيير المنشود في مصر

كانت مصرُ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مصدرَ إشعاعٍ للتأثيرِ الثقافي الأقوى والأكبر على كلِ الدولِ الناطقةِ باللغةِ العربيةِ. فعندما جاء محمدُ علي لحكم مصر (1805) وشرع في تقديمِ أولِ نموذج في البلادِ الناطقةِ بالعربية للتأثرِ بتقدمِ أوروبا في شتى المناحي وذلك من خلال تعاونٍ وثيقٍ بينه وبين مجموعة من الفرنسيين الاشتراكيين التعاونيين (من أتباع سان سيمون) وعندما توطد مشروعُه النهضوي من خلال البعثات التي بدأت بشكل منهجي منذ سنة 1826 وكانت ثمرتُها الكبرى هي النخبة المصرية التي حاولت أن تقدم المشروعَ النهضوي المصري – عندما حدث ذلك فإن أثرَه إنعكس على معظم الدول الناطقة باللغة العربية ولاسيما البلاد ذات الحضارات القديمة مثل العراق وسوريا الكبرى. وكما سمعت أستاذاً فرنسياً ذات يوم يقول في محاضرةٍ في باريس أنه عندما جعل محمد علي المصريين يلبسون ملابس أوروبا فإن ذلك الزي العصري ما لبث وأن إنتشر في كل البلادِ الناطقةِ بالعربية (والإشارةُ هنا إلى الإنتقال من الجلبابِ إلى السروالِ والقميص الأوروبي أمر رمزي أكثر من كونه تقريراً مباشراً). كان محمدُ علي مولعاً بالحضارة الأوروبية بوجهٍ عام وبفرنسا بوجهٍ خاص فعمل على خلق نخبة مولعة مثله بتلك الحضارة وهو ما إنعكس على معظم الدول الناطقة باللغة العربية . وفي زمن لاحق وكأثر من أثار تكوين هذه النخبة كان معظمُ الأدباء والمفكرين والشعراء والعلماء والفنانين في العالم الناطق بالعربية إما من مصر أو نزحوا إليها . وعندما رفعت مصرُ في الخمسينيات والستينيات ألوية الإشتراكية والقومية العربية فإن أثرَها كان هائلاً على كل مجتمعٍ ناطقٍ باللغةِ العربيةِ. وعندما أعلنت مصرُ رؤيتها في النصف الثاني من السبعينيات والقائمة على أن الحربَ مع إسرائيل ليست هي الهدف وإنما الهدف هو الوصول لتسويةٍ مرضيةٍ ومعقولةٍ هاجت الدولُ الناطقة بالعربية في البداية ولكنها كلها اليوم تحاول أن تفعل ما فعلته مصرُ في السبعينيات والثمانينيات (الوصول للهدف المنشود إما بالتفاوض أو بالقانون الدولي). وكل هذه التأثيرات سواء نالت إعجاب البعض أو لم تنله، فإنها نتيجةٌ طبيعيةٌ لوجودِ نخبةٍ مصريةٍ ذات تأثير. والسؤال الكبير اليوم :هل هناك نخبة قادرة على التأثير في مصر اليوم؟ …وما هي / ومن هي تلك النخبة : أتتكون من الصفوةِ الفكريةِ ذات التكوين العقلي الرفيع من المتعلمين المثقفين أم أنها تتكون من أصحابِ الأموالِ الذين لم ير المجتمعُ أي دليل على كونهم صفوة فكرية !… والسؤال بالغ الأهمية، لأنه يتعلق بالمجموعةِ التي تبث القيم – ويكون السؤال عندئذ : ما هي طبيعة تلك النخبة التي تبث القيم …وما هي تلك القيم التي تبثها في المجتمع المصري تلك النخبةُ؟

والسؤال الذي يعرضه هذا المقال "معضلةٌ كبيرةٌ": فالإنتلجنسيا المصرية تحول قطاعٌ كبيرٌ منها عبر السنوات إلى موظفين عموميين ، كما أن القطاع الأكبر من أفردِاها لا يتحلى بالقدرة على الإستقلاليةِ التي بدونها لا تمارس النخبةُ المثقفة دورَها في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن العديد من أبناء الأجيال الأصغر سناً من أعضاء النخبة المثقفة هم أصحاب تكوين ثقافي محلي لأبعدِ الحدودِ لإفتقارهم لأدوات التواصل مع التيارات الثقافية العالمية – فالسواد الأعظم منهم لا يتقن لغة أجنبية واحدة كما أن الظروف الإقتصادية التي تحيط بهم (بعد عملية تحويلهم إلى موظفين عمومين) تجعلهم نهباً لتياراتٍ فكرية إما إنها إندثرت من العالم (كمعظم التيارات التي كانت ذائعة في الستينيات ) أو نهباً ( لتياراتٍ فكريةٍ ماضوية في حالةِ مخاصمةٍ شديدةٍ مع العصرِ والحداثةِ) – وهم هنا ضحايا بكل ما تعنيه الكلمةُ من أبعادٍ ومعانٍ (كما أنهم ضحايا فقر ثقافي لا ينكر مرجعه خلو الحياة الثقافية من نماذج عديدة للمثقف الموسوعي: فأين هو اليوم المثقف الموسوعي الذي أحاط علماً بكلاسيكيات الإبداع اليونانية القديمة واللاتينية والعربية (وأعني كلاسيكيات الفكر والأدب العربي خلال القرون من التاسع إلى الثالث عشر الميلادي) وكلاسيكيات إبداع عصر النهضة وروائع الفلسفة الأوروبية الحديثة وإبداعات ما بعد عصر النهضة لاسيما في الآداب الفرنسية والإنجليزية والروسية والألمانية ثم ثقافات العصر الحالي والتي تضم مجالات عديدة جديدة في دنيا العلوم الإجتماعية؟ والجواب : ربما يكون هؤلاء أقل من مائة شخص في مصر اليوم).

أما الجانبُ الآخر من العملة، (وأعني الصفوة الإقتصادية)، فمعظم أفراد هذه المجموعة بدون تكوين ثقافي يعتد به، وهو ما يسوغ بالتالي وصفهم بأنهم غير صالحين لبث قيم بناءه كتلك التي كانت تبثها النخبةُ المصرية خلال الربع الأول من القرن العشرين…بل أن هذه المجموعة يبث عددٌ من أفرادها قيماً هدامة تساعد عدداً كبيراً من أفراد الإنتلجنسيا على الإيمان بأن الحل إما عن طريق سلة الأفكار التي كانت ذائعة في الستينيات والتي لم تحقق أي نجاح في أي زمان وفي أي مكان ؛ كما أنها تسوغ للتيار السلفي الماضوي أن يؤمن بأنه وحده صاحب "الحل الأمثل". ويجب هنا أن يُضاف أنه كان من الممكن وجود نخبة مؤثرة من رموز الحياة الاقتصادية لو كان المجتمع الإقتصادي الجديد قد نشأ بشكلٍ طبيعي وبقوةِ الحراك الإجتماعي التي تبرز الأفضل – وهو ما لم يحدث فقد قامت قطاعات من السلطة التنفيذية في مصر بصياغة مجتمع إقتصادي وفق تصوراتها لما ينبغي أن يكون عليه الحال/ وهي عملية أفضت لنشوء مجتمع إقتصادي يفتقد للكفاءِة والإبداعِ ويعمل أساساً وفق قواعدَ العلاقاتِ العامةِ (والعلاقات الحكومية بشكل أهم) كما أنه بعيدُ الصلَة عن الشفافية ووثيق الصلة بالفساد وعاجز بالكلية عن تحقي ق الهدفين الكبيرين المنتظرين منه: الوفرة الإنتاجية (والدليل هو تلك الفجوة الرهيبة بين الواردات والصادرات) وخلق فرص عمل عديدة جديدة (والدليل وجود خمسة ملايين مصري في سن صغيرة نسبياً بلا عمل).

وليست هذه المعضلة مجرد معضلة فكرية أو موضوع لحوارٍ فلسفي وإنما معضلة حياتية بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ: فالنخبُ المصرية المعاصرة التي تنتج الإعلام والثقافة والمجموعة القيمية المحيطة بنا والتي تساعد كلها على أن نظل أكثر إبتعاداً عن مسيرةِ التقدم مما كنا عليه في مطلع القرن العشرين: فمنذ مائة سنة كان شبابُ المثقفين على شاكلة قاسم أمين وطه حسين ومحمد عوض محمد وسلامة موسى وعشرات غيرهم يعملون على تحقيق حلم لا يفقد الخصوصية الثقافية لكنه يكتسب آليات تقدم الغرب ؛ وهي آليات إنسانية قبل أن تكون أوروبية أو أمريكية .

وبإختصار فنحن أمام ثلاث مجموعات يظن أصحابُ كل منها أنهم النخبة الرائدة واضعة القيم في المجتمع:
  • المثقفون الرسميون وهم في إعتقادي عاجزون عن القيام بالدور المنتظر للنخبة المؤثرة والرائدة والقائدة لما طرأ عليهم من تحول جذري من (الاستقلالية النسبية) إلى (التبعية شبة المطلقة) ؛ وكذلك بسبب هزالهم الثقافي والمعرفي بنسبة عالية للغاية ورفعهم لشعارات ثبت موتها في كل أرجاء العالم.
  • النخبة التي تسمي نفسها بالتيار الإسلامي، وهي في الحقيقة تيار سياسي يدعو للهجرة للماضي ولا شك أنه غيرُ قادرٍ علي بث قيم العلم والتقدم وإنما قادر بشكل متكامل الأركان على سحب المجتمع بالكليةِ من مسيرةِ التمدنِ والتقدم مع قطع وشائج الصلة بالإنسانية.
  • النخبة التي تسمي نفسها بالنخبة الاقتصادية : وهي في نماذج عديدة منها فاشلة إقتصادياً وإدارياً وخاوية من أي محتوى ثقافي ولن تبث إِلاَّ قيمَ الإنتهازية والوصولية والفساد وخلق شباب يكفرون بالكفاءة والعمل والجهاد ناهيك عما يحدثونه في المجتمع من حالاتِ تزيف وخسائر دامية.
ويضعنا التحليلُ السابق أمام صورة ضبابية إذ لا يبقى من الناحية النظرية إلا إحتمال من إثنين:
  • الإحتمال الأول مجيء التغيير عن طريق النخب الثلاث المذكورة وعن غير طريق النظام السياسي الشرعي: وهو هنا سيكون بنسبة 99 في المائة تغيراً إلى الأسوأ ومفتاح لبوابات ضخمة تدخل منها جحافلُ الفوضى العارمة.
  • أما الإحتمال الثاني فيتمثل في قيام النظام السياسي الشرعي بعملية تحويل منظمة (Engineered Reform Plan ) توفر العلاج المنشود وتقلص فرص سيناريو الفوضى. وهذا السيناريو هو ما حدث في أماكن عديدة من العالم (مثل كوريا الجنوبية) ووفر الهدفين العظيمين المنشودين وهما (الإزدهار الإقتصادي والتطور الديموقراطي).
وكلما طال زمن عدم حدوث التغيير المُهندَس له (The Engineered Change) كان حدوث ذلك أصعب وإحتمالات مجيء التغيير lن طرق أُخرى أكثر إحتمالية وهو ما يعني غلبة إحتمالية التأخر والفوضى .


(أخبار اليوم 4/1/2003)